هل انتهى زمن الوفاء؟!
سؤال خطر على بالي..
وأصبح الوفاء، في الزمن الشحيح، عملة نادرة الوجود. نتحسر عليها وعلى وزنها وثقلها في الأيام الخوالي الطيبة !!
دارت بذهني العديد من الأسئلة بعد الاطلاع مؤخرا، على دراسة أعجبت بها كثيرا، دراسة تدور حول: ( العواطف الراقية ) كالحب والخير والوفاء والحزن والإيثار.. المفروض أن هذه العواطف الراقية والنبيلة في آن واحد، أن تكون حكرا على الإنسان دون سواه من الكائنات الحية أو المخلوقات الدنيا..
هذا ما يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى والصفحات الأولى لهذه الدراسة القيمة، العواطف الراقية. ولكن الشيء المثير للإعجاب والتشويق، أن الدراسة تتحدث عن هذه العواطف عند الحيوان وبقية الكائنات الحية، ومن هنا، فإن هذا الموضوع يشد القارئ أكثر من الحديث عن هذه العواطف عند الإنسان. لأن هذا هو الوضع الطبيعي والمألوف في الواقع، وفي الأذهان. أما أن يتحدث عن الحيوانات، فهو مثير للدهشة والغرابة. كأنما أراد كاتب الدراسة، من خلالها، أن يقول لنا ـ هذه النتيجة نتوصل إليها في النهاية ـ أن الوفاء ليس حكرا على بني البشر دون سواهم من المخلوقات الحية..
ونتوقف أمام بعض النماذج التي تتحدث عنها هذه الدراسة: الجواد العربي مثال للوفاء والذكاء والفطنة وشدة الولاء لصاحبه الذي يطعمه ويسقيه ويعامله معاملة حسنة، والجمل صبور على الجوع والعطش ومشقة السفر في الصحراء، الحية ترمز للحكمة، والبغل رمز لقدرة الاحتمال، الحمار على غبائه، مطيع، لا يشتكي من أحد، والحمل رمز للوداعة، الجرذ، غاية في الذكاء، الدجاجة رمز للاستكانة، والخيل تظهر الحزن والبكاء، الفرس إذا غاب عنها ابنها بكته بدمع غزير، وعندما يرهف سمعه كأنما يرى بأذنيه في الأوقات الصعبة، وهو مثال للشجاعة والإقدام، وسبع البحر يبكي عندما يحزن. والهرة مثال للبر والإيثار وشدة حبها لصغارها تؤثرهم على نفسها.
ومن الأشياء التي تدعو إلى الدهشة، ما يشاهد على الكلاب، من المهارة في تلمس الصيد والاهتداء إلى جحور الأرانب وحدة حواس البصر والأذن والأنف، وإدراكها للعواطف الراقية، مثل الحزن عندما يفقد صاحبه.
ومن الحكايات النادرة التي يوردها الكاتب في هذا الصدد، أن أحد الأشخاص اقتنى كلبا، واعتنى به. وكان الرجل رقيق الحال، اعتراه في يوم من الأيام مرض، استدعى نقله إلى المستشفى، ولكن لم يمكث فيه طويلا.. حتى قضى نحبه.. فتتبع الحيوان نعش صاحبه وشيعه إلى مقره الأخير. ثم اختط له بعد ذلك خطة غريبة، ذلك إنه كان يقضي طيلة نهاره أمام قبره، ثم يرجع ويظل طوال الليل رابضا بجوار منزل صاحبه، وظل على ذلك ستة أيام متتالية، رفض أثناءها أي طعام، ولم ينتقل من مكانه أو يتزحزح عن موقفه إلى أن مات حزينا على صاحبه.
ولذا تشير هذه الدراسة إلى أن التعبير عن الشعور أمر عام في مملكة الحيوان، فالغضب والكراهية والمحبة والخوف والوفاء.. كل هذه المشاعر الراقية تظهر في الحيوانات بطرق مختلفة باختلاف الكائن الحي، وإن إظهار الشعور في حد ذاته دلالة على الإدراك والذكاء والرقي.