يتناول د. حاتم الصكر في كتابه «المرئي والمكتوب» دراسات في التشكيل العربي المعاصر الصادر مؤخراً عن دار الثقافة والإعلام في الشارقة البحث في منظور الواقع التشكيلي العربي، طارحاً استفهاماً حول مصير المقترحات التشكيلية سواء كانت بشكل بيانات ودعوات أو تجمعات، أو محاولات تجريبية في الرسم والتنظير الفني.

يجمع الكاتب حاتم الصكر الذاكرة على مدى المسيرة التشكيلية العربية بعض المفاصل المهمة منها، والتي تجسد الإشكاليات السائدة في الخطاب التشكيلي العربي، طارحاً مساءلة عن مصير تلك المقترحات في محاولة لقراءة انجازها في نقاط تمثل أبرز ما فجرته في الذاكرة الفنية في حوار أو تساؤل.

وفي مقدمة تلك المفاصل سؤال الهوية: أو أي أسلوب فني أكثر ملاءمة لإنجاز فني شخصي، لا يتنازل عن موروث الفني، ومهما كانت جنسية الفنان، فهو بحاجة إلى الانتباه لموروث وطنه عبر الحقب التاريخية، والموروث ذاته يمتد ويتشعب ليشمل تراث العرب والمسلمين، وهو تراث مشترك يمثل عنصر جذب لتجارب الفنانين الرسامين وأسلوبياتهم.

يتساءل الكاتب عما إذا كانت البيئة، والموروث المحلي والإسلامي جزءاً من مكونات المسيرة التشكيلية العربية المعاصرة والحديثة، فإن التراث الإنساني بدوره، وفي مجال الفن والأسطورة خاصة سيشكل بطبيعة الحال رافداً من روافد التجربة التشكيلية العربية، وداعياً قوياً لتضمين تلك المنجزات الإنسانية في عمل معاصر ذي أثر في المتلقى.

لا شك في أن التجربة للرسم الغربي عبر مراحله كلها، وحق الحداثة وما بعدها قد أفرزت أساليب ورؤى، وقدمت منجزاً لا يمكن للرسام العربي أن يتجاهله، وهو ما سيمثل جانباً في أزمة أسلوبية تثيرها الفجوة بين تواضع إنجازها العربي وتنوع أساليب الغرب. وتحددها.

وتساءل الكاتب عما إذا كانت بعض مصادر تلك الأزمة أو الإشكالية في جانب واحد هو المؤثرات، أو مكونات الوعي بالرسم كأداة توصيل فنية وإبداع خلاف، فإن التكون المعرفي الذي يخلق الوعي بالموضوع والفكرة والرؤية الفنية السابقة للإنجاز هو الآخر موضع إشكالية كبرى، إذ يخضع الرسام العربي لسيل جارف في النظريات والرؤى، والفلسفات التي تحدد الصلة بين الفنان وواقعه، وبينه وبين المتلقي، وبين رؤيته والعالم، وصلته بموضوعاته وسبل تمثيلها فنياً، وغير ذلك، وهنا يتحتم على الفنان اختيار طرق توصيله لقناعاته ورؤيته التي ستكون محركاً لرؤيته المتكونة على أساس ما حوله في الرؤى والأفكار.

يبقى المقترح الحروفي مثلاً لا يمكن قراءته كاستلهام لجماليات الحرف العربي واستضافة وجود الحرف في اللوحة بعيداً عن دلالته الكتابية أو معناه، ولا الاستعانة به كزينة بل لإثراء اللوحة بإيحاءات تراثية تمثل البحث عن حافز روحي يضيف للوحة المعاصرة بعداً فكرياً، يقلل في نزعة التلوين أو حرفة الرسم الخالصة المجردة من المؤثرات الثقافية.

إن مهمة التحديث في الرسم تبدو لحاتم الصكر خلاف الشعر والقصة يبحث فيها الرسام داخل عمله وبدافع وعيه الخاص ليصل إلى قناعة ذاتية، تؤدي به إلى سبر أغوار اللوحة من منظور خاص يحييه الفنان وحده.

يرى حاتم الصكر إن الوصول لمقترحات أسلوبية محددة عربياً وذات وقع في التجربة التشكيلية العربية، هو كالمزاوجة بين التجريد والتشخيص أو التجسيد، والإقبال على السرد كفعل بنائي يغني اللوحة، ويوسع أفق مشاهدتها بما تحمل من مفردات وتفاصيل، وحكي مرمز أو مختزل، ولعل العودة إلى تبسيط الأسلوب في الرسم القريب من رسوم الأطفال، وتقمص رؤاهم تؤشر إلى جزء من تلك الحيرة الأسلوبية التي وجد الرسام العربي نفسه فيها، وهو يتعرض لضغط الأسلوبيات الغربية، مما يوقعه ضحية الصراع الثقافي أو الحضاري بين العرب والغرب.

دبي ـ سامي نيال