بات من الطبيعي عندما تسير في شوارع المدن الكبيرة في سوريا أن تجد عددا كبيرا من الكتب الملقاة على الأرصفة أو تحت الجسور ضمن ما يسمى مكتبات الأرصفة.
وإن كانت هذه الظاهرة لا تشبه المكتبات الحقيقية إلا بالتسمية، غير أنها تحوي عددا كبيرا من الكتب في شتى المجالات (فلسفة ـ أدب ـ أبراج ـ دين). وقد تجد كتاباً مهماً لفيلسوف أو أديب معروف يجاوره آخر عن عالم الأبراج، والثمن يحدده حجم الكتاب وليس كمية المعلومات التي يقدمها. يقول هاني الإمام (بائع كتب): «تحوي (مكتبتي) حوالي 500 كتاب حصلت عليها من إحدى المكتبات العامة لقاء سعر رمزي». ويؤكد الإمام أن الكتب الدينية هي من أكثر الكتب المباعة لديه، ويفسر ذلك بازدياد إقبال الشباب على الدين هروبا من الأوضاع الاقتصادية القاسية.
وتثير ظاهرة مكتبات الأرصفة نقاشا حادا بين المثقفين، فالبعض يعتبرها إساءة لقيمة الكتاب وصاحبه، فيما يجدها الآخرون فرصة جيدة لتكوين مكتبة برأس مال صغير.
هذا الأمر يؤيده أبو محمد (بائع كتب) الذي يعتقد أن هذه الظاهرة تعيد القيمة الحقيقية للكتاب بدل أن تستقبله حاويات القمامة أو معامل الورق. ويضيف: «نحن نقدم كتاباً ذا قيمة ثقافية عالية بثمن بخس لعدد كبير من المثقفين وطلاب الجامعة الذين يشكلون 70 بالمئة من زبائننا.
ويؤكد أبو محمد أن حجم مبيعاته من الكتب يصل إلى 60 كتابا شهريا، مشيرا إلى أن سعر الكتاب لديه يتراوح بين (5,2 و4 دولارات).
وتتنوع مصادر هذه المكتبات كتنوع أصحابها، إذ أن البعض يحصل على كتبه من النسخ الكاسدة في المكتبات العامة بسعر بخس، والآخر ينتشلها من القمامة، كما أن هناك نسبة لا بأس بها من المثقفين اضطروا لبيع كتبهم إما بسبب الحاجة أو لأنهم فارقوا الحياة وعمل أبناؤهم على تبديد ما جنوه خلال سنوات لقاء بعض النقود.
وتؤكد راما الطويل (طالبة مسرح) أنها تفضل مكتبات الأرصفة على المكتبات التقليدية لأنها تعرض نفس الكتب لكن بثمن أقل، مشيرة إلى أنها حصلت على الأعمال الكاملة لمسرحيين معروفين كشكسبير وسعد الله ونوس بنسخ جيدة وبسعر بخس.
وبالرغم من الانتقادات التي تواجهها مكتبات الأرصفة، فهي تشكل بالمقابل مصدرا جديدا للثقافة بعد أن فقد الكتاب قيمته الثقافية، إما بسبب عزوف الكثيرين عن القراءة أو لأن البعض يفضل تأمين قوت يومه على شراء كتاب قد يضحي بأجر بضعة أيام لاقتنائه.
دمشق ـ حسن سلمان
