إن قراءة النص المسرحي سيمائياً تعد مدخلاً نقدياً يدفع باتجاه التكثيف الجمالي للنص، لان السيمائية تؤسس لديمومة النص من خلال تعميق المدرك الحسي ببنيته العميقة ذات القيم القصدية وفق معطيات البعد المتغير الذي توحي به الصور الذهنية للنص المسرحي وفق مفاهيم السيماء، فالسيماء تنتهك البنية التقليدية لجسد النص لتحفز في بنيته العميقة وفقاً لهذا الانتهاك القرائي السيمائي للنص، نجدها تعكس من خلال اللغة الدرامية المتأصلة علامياً في النص المسرحي سواء كان ذلك بإسقاط رموزه الاستعارية أو بالتأويل لاسيما إذا كانت هذه العلامية مرئية فإنها تؤسس جماليتها الدرامية .

والتي تكشف عنها السيماء بشكل واضح، ولو استعرضنا هذه القراءة تمثيلاً في النص المسرحي لوجدناها متجذرة فيه بنائياً، ففي مسرحية (مس جوليا) للكاتب المسرحي، (آوجست ستيرنبرغ) إذ رسم شخصية درامية دفعت بالفعل الدرامي وأججت الصراع الدرامي من خلال علاميتها ورمزها المقروء - مرئياً، إذ جسد شخصية الكونت بأبعادها الثلاثة علامياً من خلال حذائه الذي يهيمن على فضاء الفعل الدرامي وتطوره إذ كان رمزاً تضمنياً للطبقة البرجوازية.

حيث قدمها الكاتب لنا سرداً مرئياً متخيلاً مفتتحاً بها المبنى الحكائي ـ الحبكة للمسرحية إذ تنطلق مقدمة المبنى الحكائي من دخول الخادم (جان) إلى فضاء الفعل الدرامي بعد أن صبغ حذاء الكونت ليتركه على خشبة المسرح فيتبقى مرئياً طيلة قراءة النص حيث تعلق الشخصية عن مكنوناتها الذاتية اتجاه هذه الطبقة البرجوازية بمعطى حواري يعلن عن رغبة الانتقام ومشاعر الخوف متجسدة قرائياً بالإشارات العلامية التي تكشف عن الشخصية وعلاقاتها مع الآخر (الكونت) من خلال علامة الحذاء فكلما نظر الخادم إليها شعر بالخوف والرهبة إذ يقول:

جان: وحتى الآن وأنا أرى

حذاءه هنا واقفاً متصلباً

أحس بظهري يتقوس

(يرفس الحذاء)

وهكذا تعمل القراءة السيمائية على تفكيك شفرات النص وتكشف عن التكثيف الجمالي الذي فرضته العلامة الدرامية في انفتاح تأويلي.

وهذه القوة الدرامية التي خلقتها العلامة المسرحية بإشارتها الرمزية نجدها قد انعكست على بنائية النص الدرامي وحققت اختزالاً درامياً دفع باتجاه بنائية الفعل والصراع الدرامي فضلاً عن تأصيله لفلسفة النص التي اعتمدتها النصوص المسرحية المحدثة وهذا ما نجده واضحاً على سبيل المثال لا الحصر في مسرحية «في انتظار كودو» لمؤلفها (صموئيل بيكت) إذ رسم عبثية وخواء الحياة تأكيداً لرؤاه الفلسفية التي يتبناها في نصوصه المسرحية من خلال العلامة المكانية المتخيلة مادياً إذ رسمها لنا مكاناً مجرداً بشجرة جرداء .

حيث رمز بها إلى خواء الحياة من خلال تجريدها من سمة الحياة والديمومة كما انه استعارها بشكل رمزي ليؤشر بعلامتها المتخيلة إلى تحول الزمن إذ يفتتح بها الفصل الثاني وهي مخضرة، مؤكداً فلسفة (العبث) بدورة الحياة التكرارية المجسدة من خلال دورة الشجرة الحياتية التي تؤكد بتكرار دورتها الحياتية على عبث الحياة وعدم جدواها.

وإنها تدور في حلقة مفرغة حيث تبدأ من ذات النقطة لتعود إليها انتهاء وهو بهذه العلامة السيمائية اللامنطوقة قد اختزل اللغة (الحوار) السردية إلى علامة واحدة رسم بها معطياتها الجمالية ومنح النص القدرة على التعدد في المعنى ومستوى متعالياً في التأويل، فالسيمائية تخلق للنص ديناميكيته وتؤسس له ديمومة تواصل مع المتلقي بوصفها منهجاً يعمل على كشف المسكوت عنه في النص.

إن التفكيك السيمائي للنص المسرحي (اميديا) يعلن عن الفاعلية الدرامية للغة العلامية (اللامنطوقة) التي تشكل ركيزة أساسية في التأطير الافتراضي لفلسفة هذا النص إذ تولد النص نصوصاً على نصوص في تأويل قرائي متحقق بعلاماته الجمالية المهيكلة للنص سيمائياً، إذ يستعير الكاتب (الجثة) علامة سيمائية مرمزاً بها عن الخوف ـ القلق ـ العزلة الذي يهيمن على حياة الإنسان المعاصر ويضعه في دوامة العزلة والانتظار والشك الوجودي لكيانه الإنساني مثيراً بذلك جدلاً فلسفياً ذاتياً بإيحاء علامي ميتافيزيقي ذي تخيل مادي.

فالجثة دلالة على الخوف ونموها إشارة علامية واضحة إلى السطوة الأيدلوجية السياسية المنتهكة لإنسانية الإنسان بشكل يخالف المألوف، مؤكداً معطيات اللامعقول حيث لامعقولية الأشياء تهيمن على الحياة الإنسانية وتحولها إلى آلة تنفذ الأوامر لا غير، وبما أن القراءة السيمائية التي تفرض قراءتها من خلال التشابك العلائقي لعناصر النص المسرحي نجد أن العلامة حاضرة في تأكيد معطيات النص الفلسفي .

حيث تحاصر الشخصيات بعلامة لتدفق علامة أخرى تؤكد العلامة الأولى وتكشف عن شكل الحياة القائمة للشخصيات على مدلولين، فاستعارة الرسالة من هذا النص تؤكد القراءة الأولى للنص السيمائي على أنها تحمل مدلولين، الأول ذو إشارة مكانية وزمانية عن عزلة الشخصيات بانفتاح زمني لامتناه ومكان منحسر إلى أن يتكور إلى نقطة صغيرة جداً بحيث تطبق أضلاعه على الشخصيات حد قتلها والقضاء عليها بمدلول منطقي على عدمية الحياة.

فالقراءة السيمائية للنص تنفتح على العديد من النصوص التي تتهيكل على معمارية النص البنائية لذلك تمثل القراءة السيمائية للنص المسرحي انفتاحاً جمالياً يثير الدهشة لدى المتلقي بانفتاحه على منطقة تأويل ذي تكثيف دلالي ينطلق من منطقه الظاهري باتجاه عمقه الباطن التركيبي، فهي في منطلقها الفلسفي حفر في طبقات النص المترعة بالجمال المؤسس لفضاء النص ببعديه الأفقي والعمودي. لذا تكشف القراءة السيمائية لعلامية النص - اللغة الدرامية عن فضائية النص المنفتحة على رمز اللاوعي المتداول وعياً سلوكياً على فضاء توليد علامي متسع المعنى ثري الدلالة.

. فهي استنطاق معرفي لمنظومة جمالية محدثة وفق نظم الاتصال المحدثة مع المتلقي الذي يحرك منظومة النص ويخلخل نظامه ليؤسس نصه وفق محدثاته المعرفية. لان السيمائية هي حضور وغياب، تفكيك واختلاف.لذلك يمكننا القول إن القراءة السيمائية انطلاقاً من مرتسماتها اللغوية هي اختلاف الاختلاف وهذا هو تمثيل لشرطها الجمالي في قراءة النص المسرحي.

د. سافرة ناجي