لا يمكن لي أن أصف لعبة كرة القدم إلا كونها نصاً أدبياً مفتوحاً على فنون جمالية متعددة؛ مرئية ومكتوبة؛ فهذه الرياضة الفريدة في جمالياتها المتجددة تنعكس بطريقة حرة على الكثير من الاجتهادات الأدبية النقدية التي تُعاين المبنى الجمالي في النص الأدبي وتتقصى بؤرهُ المتفجرة؛ وكرة القدم كنص رياضي مرِن يستحيل في كثير من الأحيان توصيفه على بنية أدبية محددة؛ إنما ينفرد؛ بتأويلي؛ إلى حالة استثنائية تنطوي على شيء مثير من الاجتهاد والإحالات المكتنزة بالدقة الفنية إلى مضان نقدية أدبية معروفة. لا بطريقة القسر الأدبي، إنما بطريقة فحص جماليات هذه اللعبة عبر المعطيات النقدية الأدبية التي تُعنى بالضرورة في الكشف الجمالي عن كل ما هو جمالي في الحياة.
النص الكروي لا يشبه إلا نفسه، فريدٌ في تكنيكه وبنائه، متقشف ومقتصد بلا إنشاء رغم سعته الزمنية المتوترة والضاربة في الأعصاب ومشهديته التي لا تثبت على حال ومساحته المترامية بين أقدام اللاعبين.
فالنص الكروي مستطيل إذا استطال الزمن ومربع إذا انحسر الزمن الضاغط، مثلث ومكعب إذا كانت الدقائق تتثاقل على الوظيفة النفسية للاعبين، معيني ومخروطي إذا انتظم الزمن في بناء عمودي، مستقيمٌ ومنحنٍ حيثما كان الشكل يعبّر عن جوهر الموقعة أفقياً؛ فالنص يتخذ كل الأشكال الهندسية في دقائقه العصيبة عندما يصول لاعبوه في الساحة الخضراء والى الاتجاهات كلها، في محاولة لتفتيت وحدة المكان وتوظيفها إلى عناصر إيجابية تدفع بلاعب الكرة إلى تقصي مكامن الساحة وفراغاتها وتثوير طاقة الآخرين في تسريع الوصول إلى لحظة التنوير المثالية، أي إلى الهدف.
وهي لحظة مشعة بلا شك كإشعاع النهايات في النصوص القصصية القصيرة وقصائد الهايكو اليابانية، غير أن ألفرق هنا أنّ نص كرة القدم فيه أكثر من لحظة تنوير وأكثر من نهاية وأكثر من مفاجأة وأكثر من احتمال، ليتفوق على النص الأدبي الذي يقوده قصاص معلوم له باعٌ في رسم النهايات التي لا تتغير.
كرة القدم نص جماعي متكامل، يكتبه لاعبون متضامنون حد الانطباق في الشعور الخاص والعام ويخطّون سطوره لا بأقدامهم حسب إنما بمداد عرق غزير منقادين وراء الشعور بانتزاع النصر من مخالب الآخر وليّ شكيمته. يعيشون لحظته بتجرد عن الذات وانفصال كلي عن «الأنا» المريضة، لخلق الفراغات المطلوبة في النص وإشعالها بسطور شعرية فنية ، لا يعرفها إلا المتلقي السادر مع إيقاعات الكرة المدورة وانكسار الساحة بأشكالها الهندسية المتبدلة وفورة اللاعبين في مشهد تكافلي نادر لا يتوفر عليه النص الأدبي الذي يصنعه مهندس كلمات محترف وصانع قد لا يكون ماهراً في الأوقات كلها.
النص الكروي ينبني على معطيات متعددة في تكوينه الأدبي غير المباشر، فهو نص ذو جماليات متتالية غير خافية على التلقي العام وإن كان غامضاً حتى نهايته، وهو أشبه بالنص البوليسي القائم على الحبكة والتعقيد والتشويق والتحزير ، ولن يكشف عن نهايته إلا صافرة طويلة يطلقها حكمٌ هو جزء من الغموض التدريجي الذي يلف الحكاية الكاملة، وجزءٌ من النص الكروي المتدحرج على أعصاب الجميع.
فالحكم جزءٌ من الحبكة «البوليسية» الكروية حينما يرتهن اللاعبون إلى قراراته حتى لو كانت خاطئة، أنه أشبه بمؤلف ضمني شذ عن المؤلف الأصيل ، فانتمى إلى راهنه وهو يقود نص الرواية أو «الحكاية الكروية» بالطريقة التي يراها مناسبة، وليس بمستطاع أحد أن يوقفه أو يعترضه، لأنه مرتكَز الثيمة النصية في غموضها الممتد على مدار تسعين دقيقة كاملة. إنه أشبه بمؤلف مُسْقَط على النص قسراً وعنوة، مع أن وجوده فاعل جداً في مسار النص ومكمل لحلقاته الكثيرة، ولولا وجوده في تضاعيف المباراة وإدارته لها لتحولت إلى ساحة عراك وفوضى، تماماً كمسرحيات التهريج التجارية التي لا تبقى عادة في خانات الفن ولا يُكتب لها البقاء.
النص الرياضي لا يعود إلى الماضي ولا يحفل به لأنه وليد الحاضر. يتشكل منه وإليه عكس النص الأدبي الذي يتشبث كثيراً بالنصوص السابقة والمعطيات التاريخية والجغرافية والمعرفية المختلفة. أنه لا يحفل بالمستقبل كثيراً، فالمستقبل عبارة عن فرص قادمة لبطولات أخرى تحت مسميات عدة، تفترعها أزمانٌ غامضة هي الأخرى بولادات رياضية تالية أشخاصاً وفرقاً. وإذا كان النص الأدبي قائماً على زمنٍ أو أزمنة مختلفة، فإن النص الكروي ينفتح على زمن محدد، محسوب بالدقائق والثواني، لكنه يتماهى مع زمنه الحاضر إلى حد بعيد ويتسع إلى المستقبل كنص منجز تحققت ريادته بنتيجته، وهذه مهمة التوثيق الرياضي للأجيال اللاحقة.
ليس أمامنا هنا الآن إلا: نص الفوز..أسطورة النصوص ..النص الذي حقق متوالية ناجحة في ابتكار مفرداته الأثيرة ونشْر إشعاعاته الجمالية في أرجاء واسعة من العالم، وليس أمامنا سوى مثال الفوز العراقي في بطولة آسيا لكرة القدم، وهو فوز ثمين بمعايير شتى من حيث أنه حقق مكوناته الفنية في نص مدهش توفر على آلية اشتغال فريدة وفاعلة، متجاوزاً «المكتوب» الورقي أو التخطيطي في خطة المدرب العجوز، متماهياً مع سطوع برّاق للاعبين تمكنوا بجهد متكافل من أن يوازنوا السبب والنتيجة في قصة طويلة اخترقت زمنها الآني وكشفت عن إبهار مشوّق في التنغيم الفني والأداء الرجولي الشفاف، ويرسموا نصاً كروياً أخاذاً قوامهُ: الشعرُ والنثر والموسيقى والرقص على أكتاف المستطيل الأخضر.
بامتياز أقول أن النص الذي كتبه الفريق العراقي هو نص آسيوي شامل، خرج عن زمنه الحاضر مستشرفاً آفاقاً ونوافذَ كثيرة كانت مغلقة لثلاثين عاماً وتماهى مع شعب محاصر بالحروب في كل تاريخه الأسود، وتعالى على صوت المفخخات والقتل الطائفي والغدر الجبان ليكتب نصاً أسطورياً شديد التأثير. إنه نص انتزع فتيل الموت وتسامى على صوت الشر وأدخل أوكسجيناً صحياً من المسرات والمباهج إلى ملايين القلوب المكلومة في العراق أو في غيره من مجتمعات الإنسانية التي تتعاطف مع اليأس العراقي المرير.
النص الآسيوي الذي جلب الكأس ذا الشكل الكروي إلى البيت العراقي خرج من طوره الرياضي إلى أطوار أخرى غير مسجلة في أبجديته، لكنها دخلت وتداخلت في سداسية مختلفة الأوجه والمضان، فمن الحكمة الرياضية بنصها المفتوح الذي نحاول ملامسته وقراءته بشكل متحضر إلى ما هو اجتماعي، سياسي، تعليمي، تربوي، وطني وهذه سلسلة مترابطة لا تنفصل عن بعضها لأن الظرف الوطني العام سمح لها أن تبرز في النص متعاشقة ومتكافلة ومتضامنة إلى أقصى حد.
