يأسرني صديقي قليلا حين يحدثني عن ميت «رحل وحيدا صوب بلاد» بصيغة الغائب، الغائب نفسه ارتأي وجودا سرمديا لا ينتهي.. يضحكني حين يروي بعض الحكاية، ويبقي الآخر ليوم صيف حار.. حين تمشينا بانتظار الباص، أو ما يمكن أن يطلق عليه هذه التسمية في بلاد الإنجليز، حرت قليلا تحريت في أفكاري واسترحت، خاطبته عن مدن زرعتها خوفاً وحيرة، ضحك في كلماتي وقرر أن نمضي بعد صوت مدن لا تنام. قلت له: البارحة اجتاحتني مخاوف من نوع آخر، ورحت أفكر من نكون، وإلى أين نمضي؟ ضحك قليلا كالمعتاد واشعل سيجارته، أو أشعلت بعضا منها، وقال: «المدن خوفي الدائم» حدثته عن الضيافة ورونقها المخيف، قاطعني قائلا: الميت لا يحتاج إلى تأشيرة مرور، أو ختما في الدولة.

الطقس الحار كان اصدقنا بعد نصف ساعة قاطعنا وعلى الارجح خاطبنا عن مدن لا ننتمي اليها ادعينا المصادفة اننا لم نسمع كل الحكاية.

الحكايا تتملق حين نرحل بعيدا، أو نقترحها بديلا عن احلام «سقطت سهوا» يقال كان ياما كان في قديم الزمان وطن مسحور ارتحلنا عنه عنوة حين غفونا، أعانده احيانا، وأسرد له بعض ما تبقى من الحكاية. الحكاية ذاتها ورق بورق، وبحاجة لمن يكتبه على مهل، على ان نستبيح بعض خصوصياته المرحة.

قال لي: أنا تائه تماما مع أنني أجيد الخيانة قسرا عنهم جميعا، ضحكت في الخفايا، وخاطبته عن وطن «بديل كنا قد نسيناه في درج الذاكرة. الذاكرة تستعيدنا مخافة أن نموت، هذا ما اسرته لي بين الحشود والعائلة.

قاطعني مرارا: هل تزوجت يوما؟ وهل تجاوزت المعقول؟

اضحك في سري، وعلى الأغلب غيبني كتلميذ مجتهد وقال: العائلة كل ما نملك في هذا الضجيج وها أنت مسكون فيه، إذا سمحت لي أن اخاطبك وفي المخاطبة بعض الأحيان يسقط نجم قد ينير عتم الطريق، والطريق يؤدي إلى الحيرة، والخوف في الكوكب. قاطعته لما هذه المساءلة؟

دعكَ من التفاصيل، واكتب بعض السطور علّها تبرق عمداً عن الآخرين، يفاجئني كالعادة قائلاً: «إننا الحكايا، والآخرون قد يكتبوننا على مضض». أقاطعة مرّة أخرى، أتذكر الآخر حين اقتحمنا عند منتصف الليل وقال: قرأتك كما أنّني لمْ أقرأ كتاباً قبلاً، ومضى دون أن يكمل هواجسه، على المقعد المخالف تماماً لانكسارنا جلس يحتسي «الشوربا» كما أنه يرتشف قهوة الصباح عند الكوكب الآخر في قرن الكياسة.

الكياسة تفضي إلى الخراب، وقد تعتاد أن تجتاحنا. أذكر الصهاينة حين اجتاحوا بيروت كنت في مقتبل العمر، أعرّي بعض ما أملك، وأكتب بعض الأسطر عن وطن بديل جذلنا قسراً عن الجميع، حينها على ما أظن واعتقد كنت تقاتل في الصفوف الأمامية دفاعاً عن أحلام سقطت سهواً، وخانتنا عنوة بعد قتال وشيك.

قد يكون أحدهم حرر شيكاً باتجاه الغائب، وقد يكون الحلم نبت في الطرف الآخر في الكوكب، وعلى الأغلب بعد عشرين عاما ستكون هناك مركبة فضائية تخوض في اليابسة باحثة عن هذا الغائب الحاضر. قد يكون صديقنا الرائع حين تكلمت عنه تلك الليلة القريبة كنيزك يشع في فندقه في عتم المسافة مقترحاً انكساراً عن حفرة تليق بهذا العالم.