انضم الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي إلى قائمة المتأهلين الخمسة عشر في المرحلة الثانية من مسابقة «أمير الشعراء» التي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وتأهلت الإماراتية هدى السعدي والموريتاني الشيخ أبوشجة من ضمن المتنافسين في الحلقة الماضية من البرنامج.

حيث اختتمت مساء أمس الأول على مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي منافسات المرحلة الأولى من المسابقة الشعرية الأكبر على المستوى العربي بتنافس آخر سبعة شعراء ضمن هذه المرحلة نال الشاعر الفلسطيني بينهم على ترشيح لجنة التحكيم.

تنافس في الحلقة الأخيرة من المرحلة الأولى سبعة شعراء هم: محمد بن قرطاس من عمان، تميم البرغوثي من فلسطين، حنين عمر من الجزائر، محمد السوسي من سوريا، مصطفى الجزار من مصر، طلال الصابري من الإمارات، سليمان دهموش من اليمن، كان محمد بن قرطاس المهري من سلطنة عمان أول من ألقى الشعر في الأمسية؛ حيث قدم نصاً من الشعر العمودي يحاول استدراج المأساة الإنسانية التي أصابت السلطنة قبل عدة أسابيع حين حل «إعصار جونو» ضيفاً ثقيل الظل على أرجاء البلاد.

وحاول المهري توصيف المشاعر الإنسانية لتلك المأساة بصور بلاغية استعار بعضها من البلاغة القرآنية، حيث وفق في بعض مقاطع قصيدته إلى الارتقاء بالصورة، إلا أن الخلل الذي يرافق «القصائد الخليلية» وتقييد القوافي والبحور المتلازم معها بدا واضحاً في أبيات أخرى ـ بحسب رأي بعض أعضاء لجنة التحكيم ـ ورغم ذلك فإن القصيدة تعد توثيقاً شعرياً لحجم المأساة.

بعدها جاء دور المتسابق السوسي من سوريا الذي يعتبر أحد أصغر الشعراء المشاركين في المسابقة، حيث قدم قصيدة بعنوان «عالم» ظهرت فيها النرجسية بصورة مبالغ فيها، وهي أقرب للخاطرة منها للشعر رغم لعب السوسي على أرجوحة اللغة والمفردات التي تريد خلق حالة جمالية ليس هذا زمانها أو مكانها، وقد كان وصف بعض أعضاء لجنة التحكيم صائباً حين قال عن النص «ان العالم الذي تريد وصفه عبر هذا النص لا معالم له»، ليرتقي منبر الشعر بعده الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي الذي قدم قصيدة تعبق بالصور والأخيلة.

وكانت بداية القصيدة مقاربة شعرية لفحول الشعر العربي القديم أمثال قيس في قوله «مررت على الديار ديار ليلى» وقول «ما لي مررت على القبور مسلماً قبر الحبيب فلم يرد جوابي» وهي بداية طللية كلاسيكية أوحت بالتقليد لكن الأبيات بعدها جاءت حداثية صادمة تزهو بالصور التي تقول ان فلسطين أنجبت شاعراً جديداً بمستوى كبار الشعراء.

ومما يشاد به بنص البرغوثي، هو عدم تشابهه مع قوالب وروح الشعر الفلسطيني الذي ظل مقيداً إلى «الطوقانيات- الدرويشيات- القاسميات» طيلة أكثر من نصف قرن مضى، حيث ولّد البرغوثي بنصه روحاً شعرية حداثية تستوحي التاريخ ومحاكاة الأمكنة واستنطاق ما غفلت عنه الحواس تختلف بالكلية عن جميع النصوص الفلسطينية السابقة، كما أن اشتغال البرغوثي على الرمز والمُرمز كان بذكاء عالٍ مكنه من تقديم نص جميل أقل ما يقال عنه «أنه سهل ممتنع».

وبقصيدة متعددة القوافي لعبت الشاعرة الجزائرية حنين عمر على وتر متعدد الموضوعات جعل من أبيات المتنبي فيه «الخيل والليل والبيداء تعرفني» صورة أنثوية تعكس التمرد والروح الرافضة للقيد، فجاء نصها بليغاً مفعماً بالصور والحياة، يقول ان «ولادة الأندلسية» أنجبت شاعرة وألهمتها روح الشعر وان عبقراً انتقل للإيحاء للأنثى.

وقد حازت «حنين الجزائرية» على رضا لجنة التحكيم بنصها البليغ، كما نالت على أعلى تصويت من قبل جمهور مسرح شاطئ الراحة، تبعها في الإلقاء المصري مصطفى الجزار الذي قدم قصيدة بعنوان «مطري يسافر في سحابك» أهداها إلى «بغداد» بقافية الكاف المطلقة، ورغم أن موضوعة فلسطين والعراق ـ هذه الكوارث التي يبدو أن لا نهاية قريبة لها ـ قد شكلت معظم قصائد المتسابقين؛ فإن الجزار لم يوفق إلى تقديم قصيدة تخرج عن التقليد ولم تقدم صوراً يمكن أن تقف في مراقي الحداثة الشعرية.

بعدها قدم الشاعر الإماراتي طلال الصابري قصيدة بعنوان «خرير الضوء» بقافية الفاء من الشعر العمودي حاول من خلالها محاكاة الخطاب الشعري الذي يتمحور على الذات لينطلق من خلاله إلى رؤية إنسانية مجردة، إلا أن الصابري أخفق في بعض الأبيات لعدم تمكنه من تقديم الصورة المجردة عبر قافية وبحر مقيد في القالب العمودي، رغم أن من يعرف تجربة هذا الشاعر الإماراتي الواعد يعرف انه تجربة جميلة يمكن أن يقدم ما هو أكثر من هذا النص إن هو أطلق العنان لشاعريته دون الالتفات لبعض القيود الكلاسيكية،.

وفاجأ اليمني سليمان دهموش الجمهور ولجنة التحكيم حين أعلن عبر تقديمه لعدة أبيات قبل قراءته لنصه الشعري؛ انه سيكون «خليفة لشوقي» دون أدنى شك، وانتظرنا مع اللجنة والجمهور لنرَ ما سيقدمه «خليفة شوقي المفترض» فقدم قصيدة بعنوان «ذاكرة الرصيف» بدت وكأنها قادمة من القرن السابع عشر أيام انهيار مملكة الشعر العربي بعد سقوط «بغداد» و«الأندلس» ولم يستطع دهموش أن «يدهش» الجمهور أو اللجنة وأن يقتنع المستمع بأن «خليفة لشوقي» سيحمل لقب أمير الشعراء رغم اعتزازنا بقدرة هذا الشاعر اليمني في كتابة نص على الطريقة الكلاسيكية، وسينتظر هذا الشاعر ورفاقه ـ عدا الفلسطيني تميم البرغوثي ـ حكم الجمهور الذي سيرشح آخر اثنين من الشعراء لينضموا في الأسبوع المقبل للمتأهلين إلى المرحلة الثانية التي تبدأ الجمعة المقبل.

مشرحة الشعر

أطلق الشعراء المشاركون في البرنامج عدة مصطلحات عن المسابقة وحولها، حيث أطلقوا على «منبر الشعر» المرمري الأنيق الذي أعدته الجهة المنفذة بحرفية عالية، لقب «المشرحة» نتيجة الضغط النفسي الكبير الذي يتعرض له الشاعر الجالس عليه والذي يتلقى نيران النقد من قبل أعضاء لجنة التحكيم.

ويمكن أن يقال عن تلك المقولات النقدية «نيران صديقة»، وجاءت دلالات هذا المصطلح واضحة في قصيدة الشاعرة الجزائرية حنين عمر حين ألقت قصيدة وصفت بها أعضاء لجنة التحكيم بالخلفاء الخمسة، وهو مدح مبطن بإطار مطلسم لأن التاريخ يقول ان الخلفاء الخمسة كانوا من أعدل الناس!!

أبوظبي ـ محمد الأنصاري