يستضيف مسرح الجلجامش Le Gilgamesh الفرنسي الذي يديره المسرحي السوري فداء المحيسن عرضا للممثل البلجيكي المغربي الأصل سام توزاني حيث يقدم مونوداراما عنوانها «حرية مساواة جنس» من كتابة برنار بروز وإخراج رود جيلينز ضمن فعاليات مهرجان أفينيون طيلة الشهر الحالي. يبدأ العرض على إيقاع الموسيقى الهادئة وما تلبث الخشبة أن تضاء ليظهر الممثل سام جالسا على كرسي صغير يدير ظهره للجمهور وقد سلط عليه ضوء وحيد ثم يلتفت ليقدم نفسه للجمهور ويبدأ بالحديث عن حياته كما هي الحال في الواقع.

تطرح هذه المونودراما إشكالية الهوية والاندماج في المجتمع الغربي حيث إن الممثل يذكر في مواضع عديدة من حديثه أن أصوله المغربية تجعله يطرح جملة من الأسئلة فهو مغربي بربري ولد في بلجيكا وبذلك فهو ينتمي للجيل الثاني من المهاجرين وهو يحمل معه هموم وقضايا عائلته التي لا يمكنه الانفكاك عنها. فهو لا يكف عن مقارنة الحياة بين ضفتي المتوسط وكل المفارقات التي تنتج بينهما فهو يعيش في الغرب لكن والديه ربياه على أصول الحياة المغربية تماماً كما هي الحال في المغرب.

تأخذ العلاقة بين الابن والأب حيزا كبيرا من العرض فهو يتعرض لكل جوانب التربية الملتزمة التي ينشأ عليها الشباب في المجتمعات العربية المحافظة التي تلعب فيها الأم دوراً كبيرا في ترسيخ العادات والتقاليد التي لا يقبل الأب في مناقشتها.

لا يقتصر النص على حياته الشخصية بل يتعداه لينقد الكثير من الجوانب الإشكالية في الغرب لا سيما في نظرته للعرب فيتعرض في حديثه إلى السياسات التعسفية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية التي لا تحترم حقوق الإنسان و تشن حروباً غير شرعية باسم الديمقراطية والحرية.

تبدو هذه المونودراما كدعوة مباشرة لفهم التوزانية التي يدعو إليها الممثل والتي تأخذ اسمها من كنيته «توزاني» حيث يدعو إلى حركة إنسانية تعيد صياغة الحياة على أسس الحرية والعدل والقيم الإنسانية المشتركة لدى جميع الديانات السماوية فهو يعرج على المحرمات والمسموحات لدى كل دين. وهنا فهو يدعو للتعامل مع الأديان بحرية كاملة منطلقاً من التجربة الشخصية لكل فرد حيث أن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا بالاحترام المتبادل بين الجماعات الدينية المختلفة. فمن العبث إقامة الحروب الدينية القائمة على إلغاء الجماعات المختلفة لبعضها البعض كما يحصل في العراق.

يتميز العرض بطابعه الفكاهي فالجمهور لا يكف عن الضحك طوال ساعة ونصف الأمر الذي يرد لقدرة الممثل سام توزاني في الحفاظ على عنصر الإثارة في حديثه. نراه يذرع الخشبة جيئة وذهابا مؤديا فيرقص تارةً ويركن على كرسيه تارة أخرى دون أن يفقد حيويته المتجددة في الانتقال من موضوع إلى آخر فهو يبوح بكل ما تخبئه ذاكرته من تفاصيل عن حياته. يحقق هذا العرض العناصر الأساسية للمونودراما التي تتجسد بالأداء الجسدي المميز للمثل وبطريقة إلقائه للنص فالمتفرج يقف مذهولا أمام قدرة سام توزاني في أداء عدة أدوار عبر تقليد الأصوات المختلفة بطريقة كوميدية تشد المتفرج وتجعله ينتظر تتمة الحكاية.

في نهاية العرض يعلن الممثل أنه سيبقى الصوت الحر الذي يدافع عن المظلومين وعن استقلالهم في كل مكان في العالم وأنه لن ينسى الشعب الفلسطيني والشعب العراقي متذكرا كلام أبيه الذي قال له: بدأت الأرض من دون الرجال، فلنعمل على ألا تنهي من دونهم.

أفينيون ـ منتجب صقر