أذكر جيداً أن الليل في طفولتي كانت له نكهة ورائحة، كانت له سماء مرصعة بالنجوم وألوان فاتنة تخرج من الظلام وتنعش الفؤاد، أذكر أن الليل كان مجاورا للصمت والأصوات المتقطعة للكائنات المسائية.. وكان الليل طويلاً يمتد بنا من أول المشاعر إلى أخر الأحاسيس والخيالات التي ترافقنا في المنام .
عندما نذهب إلى النوم يحفنا الليل بظلامه الجميل وتنتابنا مشاعر مقرونة بالفرح والخوف.. بالانتظار والتطلع لصباح جديد. كانت أيامنا تعيد دورة الزمن بقوة الليل وسطوته. وكانت أنوار الصبح قسمة مختلفة بلا نكهة أخرى.
ليلنا كان استثناء لا يشبه أيامنا الجديدة.. كان مكسواً بأطياف ونسائم وأنغام.. أما الآن فإن النجوم تاهت وسط الأضواء الكثيرة المتناثرة.. وزرقة السماء استحالت رماداً، وتاه القمر المنير وسط الأبخرة السوداء التي تنفثها السيارات صباحاً ومساء.
في ليالينا القديمة كنا نتجول عند أقدام البحر.. ونرقب الكائنات الصغيرة التي تدب شاردة هنا وهناك.. كنا نطارد العناكب المائية كما نطارد فراشات النهار.. وكنا نسمع أصوات الطيور البحرية المغادرة إلى أوكارها كما نسمع طيور الصباح الباكر مع غنوه اليامال وحفيف الشجر ونرى صفاء الروح كالزبد الأبيض على سطح البحر.
ولكن اليوم أصبح الزبد كالفقاعات السوداء على سطح الفنجان محروق مكتوم الأنفاس تتلاعب به أيدي البشر وتضل الحروف طريقها، فالأسوار قوية وللزمن محدودية تعيق الوصول، فهناك الكثيرون من يحاولون كسر أجنحة من يحاول الطيران.
هذه الأيام لا نسمع أصوات الطبيعة، فالتلفزيون سيد الموقف.. والشبكة العنكبوتية تلف خيوطها حول أعناق الجميع.. ودور العرض ملاذ لجميع الهاربين من الضجيج.. والسيارات تحولت إلى أقفاص لتعذيب ركابها ممن ينعمون بخصائصها لكنهم يدفعون الثمن باهظاً في زحمة الشوارع التي لا تتوقف.
سافر ليلنا الذي عاهدناه.. ومازال ليلنا الراهن مسافر إلى المجهول.. فالطفولة لا تنام بعد السادسة. والكبار لا يعملون في النهار.. جيل مضى وخيط دمع ينسل بهدوء على الليالي الجميلة. كم كنا نفرح عندما كنا نسمع أمسية أدبية.
حيث نسابق الريح للوصول لنأخذ مكاننا قبل أن يكتظ المجلس بالحضور..أمسيات جميلة رسخت في ذاكرتنا.. لكننا اليوم وبكل الطرق نبحث عن الحضور فلا جدوى، فالليل يختفي بهدوء ويعلن فشله في استقطاب أذان تصغي للثقافة.. أصبح المثقف كالأرض التي تبحث عن شمس دافئة.
عندما يرتحل الغسق
من أفق الليل
تبدأ شاعرية جديدة
فأبحث عن الأنا
القابعة في شاعرية الليل
نسرح في حلم
ونسدل عليه الستار
فيما تنام الأنفاس
كليلة غائبة
أسماء الزرعوني