الغيوم تترافق فيما بينها تعدُّ وجبة الصباح بخفة الحالم موضبةً بعض كتبها المدرسية استعداداً ليوم مدرسي حافل، الساعة الخامسة في شارع «شيزك» خيالةُ الطرق في لندن يرطبون الشوارع على وقع الكونشرتو الخامس لبيتهوفن، أحلمُ بيوم أقلّ من المعتاد، كالعادة أعدُّ قهوةُ الصباح قبالةَ نافذة جارتي العجوز، أحييها لا تردُّ التحيةَ... أردُّ التحيةَ بأحسن منها على ظلالي المتخفية في بردها القارس على إيقاع صباحي مترافق مع عزلة فريدة، وفي نوعٍ آخر، أرتشف قهوة الصباح بسوادها علّني أزيح بعض الملل الصباحي المعتاد. المللُ ذاته اجتاح مراراً صديقي «فان جوخ» القابع في ركنه المستكين في متحفه، غالباً ما كان يصارحني في زياراتي اليومية له عن لونٍ فاقعٍ حالمٍ بقلق أقل...
غريبٌ صديقي «فان جوخ» «يتسمر» الكلُّ أمام لوحاته الباكية، رغم أنّ في الخارجي مطراً لا يتدفق تماماً.. قالت جارتي العجوز نفسها، والتي لم ترد التحية يوماً: «علّني أصيرُ قوسَ قزحٍ في بعض ألوانهِ» أضحك مبتسماً.
الساعة السادسة إلاّ ثلاث دقائق جرس الرحيل يئن في القاعة، أستأذن جارتي العجوز، وأرحل متخفياً في ضجيج الشارع المقابل.
الحركة الثانية في الكونشرتو ذاته يرافقني بين الحشود، أخطو خطواتٍ واثقة صوبَ مسافاتٍ لم تطأها مخيلتي بعد، ربما أضيف جملةً موسيقية لميلودي يأسرني عنوةٍ، منذ نعومة أظافري. في الطريق أكتب بعضَ الشعر عن مملكةٍ كان يحلم أبي أن يزورها في ريعان شبابه. في الثلاثين فعلتها، بعت كل ما أملك، وحلّقت هناك كما أنني في الخامسة عشرة من عمري، كلما أستذكر ماكنته يوماً يزهر شجرُ المملكة، ويفيض «التايمز» على جانبيه.
مساءً: على ضفاف «التايمز» في «ريتشموند» أجلس قبالة مقعدٍ خشبي عتيق مراقباً بحياء بعض المارةِ، وهم يجتاحون الضفتين بكثير من البهجة. «إنه قلقُ الصباح كما أعتقد، والكلُّ يأتي إلى هنا كي يتحررَ منه».
سألتها السؤال المعتاد كما كان يسئل منذ قرونٍ أوتظنين أنها ستمطر غداً؟ بالطبع لم تجاوب، حينها تدبرتُ أمري، وعاودتُ السؤال بشيء من الادعاء، وكم الساعة الآن؟ أعتقد أنها التاسعة، والنوارسُ قد غفت، إنه المطرُ يضيف بعضَ الهارموني على الحركة الثالثة في المقطوعة نفسها، أغفو حالماً بخفة أوراق الأشجار وهي تتناثر بحركة دائرية، وكأنها تنذر بغيوم رمادية أخرى أستجمع قواي تبرق السماء واعدةً بليلة حافلة بضجيجها.
شكرتها على حُسن مجاملتها، ولياقة الجواب. سألتُها ومن تكونين؟
أجابتني: أنا جارتُك العجوز.