«تقف عربة الخيول على قوس الشارع الدائري المحاذي لسور جامع الكواوزة، يلفها الظلام، في ركن يتوسط قائمين مائلين، اسطوانة المئذنة على قاعدتها المربعة، ونخلة الفناء، ما عتم أن انفرج عن ضوء شحيح صادر من المدخل الواطئ للمصلى الذي ابتلع آخر العباسيين في جوفه، قبل دقائق من انطلاق أذان صلاة العشاء..».

هل أواصل مدّ سرد هذه البداية من عمل قصصي قصير تشغلني كتابته، ما لم استوثق من نهايته، على دارج طريقتي في بناء قصة دائرية تعود فيها النهاية على البداية، على قاعدة نظم القصيدة الكلاسيكية برد صدر البيت على عجزه؟ لا بل سأتلبث وأطيل وقوف العربة أمام الجامع حتى ينهي آخر العباسيين صلاته فيقله الحوذي إلى داره، وخلال هذه الفترة الزمنية التي تفلت من حدود خيالي، سأفكر بالحد النهائي لقصتي وأحشو ما بين الحدين بتحقيقاتي كي يكتمل برهاني البسيط، ويستقر نظام قصتي على أركانه الأربعة.

تستدعي بدايتي نهايتها بما تمده من مجسات استطلاع في ظلام عبارتي المتصلة لجذب عناصر محذوفة من زمنها المتوقف مع خيول العربة في ركن الجامع. وأول هذه العناصر الحوذي الجالس على مقعده في مقدمة العربة، يثبت نظره على المدخل الواطئ للمصلى المعقود من الجص والحجارة، ثم الخيول الساكنة المعارة من إسطبل عهد دابر، وأسرة الكواوزة التي ينحدر من نسبها الشيخ العباسي.

لكن بداية القصة التي تمدّ أذرعها في مناخ هذه الساعة الرطبة والحارة، ستصل إلى أهم العلامات في تحقيقاتي، إلى النخلة التي تشتبك عروقها بأصول الأسرة الكوازية. كان ظهور النخلة الأول على صفحات قصتي عن آخر العباسيين في فناء الجامع المظلم دالاً على الوحشة والانتظار، إلا أن ظهورها التالي سيكون مسطراً بدلالات الاشتباك بين الطبيعي والإنساني في حوادث تداول السلطة الناقعة برطوبة البحر وشهوة الدم.

خلال انتظار الحوذي لشيخه سأمدّ زمن الدقائق القصيرة وأعود بالحوذي إلى دار عمته في بستان من أملاك الأسرة العباسية في مقاطعة (الصالحية) على الضفة الشرقية لشط العرب، وأجرى تحقيقات في حادثة ربط أبيه الفلاح إلى جذع نخلة الدار وجلده أمام عينيه وعيني عمته جزاء تقصيره في تسديد ديون المغارسة لسيده الملاّك، ثم سقوطه من النخلة السحوق وضم الابن إلى إسطبل الأسرة حتى يمتد به العمر وبشيخه وبالعربة التي ما دأبت على الوقوف كل ليلة في ركن الشارع المحاذي لسور الجامع القديم.

وقد أنهي وقت الانتظار بخروج الشيخ من المصلى والأمر بالمسير، وسؤال الحوذي شيخه بعد مرحلة من الطريق تفسيراً لحلم طاف فيه بين اليقظة والمنام خلال انتظاره فوق صفوف نخل شط العرب فرآها جُزّت رؤوسها كما تُجزّ رؤوس العبيد، فلا يتلقى جواباً على سؤاله سوى كلمات دفنها خباء العربة مع رمة الشيخ العباسي الأخير: «اكتمه في صدرك، وعجل بالمسير». وهنا يحث الحوذي حصانيه ويسوطهما فتنهب العربة شوارع باصورا الخالية وضوء الفجر يؤذن بالانبلاج.

يعود الحوذي مع زوجته وأطفاله لزيارة عمته في مقاطعة (الصالحية) في يوم رمضاني لاهب، يتفقد نخلة الدار بعد وفاة أبيه، ويستطلع موقع الحلم الذي يراوده خلال فترة الانتظار أمام الجامع، فيرى النخلة زادت طولاً واستدقاقاً، وشُدّ إلى جذعها المسحوق كوز ماء بالحبال التي رُبط بها أبوه وجُلد قبل سقوطه من قمتها، وعمته التي هرمت وانطوى جذعها تتوكأ على عرجون قديم،.

وتقترب بدبيب غير محسوس من النخلة، وترشق زيق ثوبها بقبضة ماء بارد من ناقوط الكوز. يبتهج الأطفال لسقوط ريش الحمام من كوة بجدار الدار الطيني، وتتبرم أمهم من حرارة البساتين ولزوجة سائل أثمار (البمبر)، ويقرأ الأب نص الغرس والتعب والمساءلة «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» في كل ذرة تراب تفتته قدمه الحافية على أرض الظلال المباركة. لكن جهل الحوذي بأبجدية القراءة ستخفي عنه للأبد نصاً ورد في كتاب (البخلاء) بنسخته المحفوظة في مكتبة الشيخ العباسي، قد يتسع التحقيق لذكره.

كانت نخلة (الصالحية) العيطاء واحدة من نخلات شط العرب التي استنبتها عبيد (المختارة) من نوى حملها المهاجرون الأوائل من أرض الجزيرة إلى أرض السواد، ومن فسيل سطره فلاحو باصورا التعابون في المقاطعات العثمانية الأميرية الموهوبة للولاة والوزراء والقضاة وأمراء القبائل العربية استرضاء لهم وتوطيناً لغريزتهم المتأصلة بالغزو والانتهاب والاستعباد وسفك الدماء. ستجوس قصتي في حوادث أربعة قرون من تاريخ العراق، لكنما ستحذف ما يتجاوز قدرتها على الإيجاز والإيضاح، وتبقي على خيوط الحوادث التي تشد محوري بدايتها ونهايتها، وتحبكها بخيوط الأسرة الكوازية وآخر أتباع طريقتها الشاذلية.

ما أغزر العلامات المحذوفة من طريق قصتي عن آخر العباسيين، وما أكثر المتون التي اجتاحتها نصوص المدن الحجرية المتناسلة والقلاع الحربية والمراصد المتقدمة على ضفاف الأنهار وسطور النخيل. قضت إمبراطورية العلامات الإقطاعية على مواسم الغرس والقطاف والكبس والتجارة وروايات الغيلان والمغنين واللصوص والمجانين التي يتداولها الفلاحون في ليالي استعبادهم.

وحين استبدت طبيعة القلاع والقصور بعلامات الأرض العذراء، اليوخان والمنجل والمسحاة والكوز وأعشاش الحمام وزهور الرمان وعرائش الكروم، وقضت القراءة الخاطئة لكتاب (الأمير)على القراءة الحكيمة لكتب ابن المقفع، ظهرت آلة الحرب الشوهاء في حلم الحوذي فلم تذر من العمّات الكريمات على شط العرب إلا نخيلات متفرقات مقطوعات الرؤوس.

أدرك الآن أن ثمة نهايتين لقصتي عن آخر العباسيين، ترتبط الأولى بشهوة الانتقام في نصوص الفترة المظلمة من تاريخ العراق، العائدة بخيولها في هذه الأيام إلى شوارع باصورا لنشر قصص الرعب والخواء فيها:

«استبطأ الحوذي خروج الشيخ العباسي، فغادر العربة وسار باتجاه المدخل الواطئ للمصلى، متسلقاً سور الجامع، ماراً بالظل المعتم لاسطوانة المئذنة السميك المائل مثل وتد رُشق من السماء، وهبط الدرجات ووقف تحت مصباح المصلى: «طالت صلاتك يا شيخي، لم أعهدك تطيل السجود كهذه الليلة».

خاطب الحوذي الشيخ الجاثي من وراء لثامه، فلم تند عنه إلا تمتمات تقدم الحوذي في أثرها وانتصب على رأسه. أزاح الحوذي عباءته عن وسطه واستل خنجره ولوح به:» شيخي، يوم لك ويوم عليك». ارتسم ظله الفارع على عقد المحراب المتصدع، وانطرح على باطن الزخارف والكتابات القاشانية، ثم هوى بثقل ذراعه على جمارة الظهر البيضاء، مرتعباً من الطراوة التي غاص النصل فيها».

أقطع الطريق على النهاية الثانية لقصتي، وأقتبس هذه الحكاية من كتاب (البخلاء)، لعلي أفرّج عن قارئي غمّ النهاية الأولى، وأشتق من نصها عناصر الفطنة والموهبة وحلاوة السخرية الطبيعية. قال الجاحظ:

«حدثني أبو المنجوف السدوسي قال: كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحي، فمررنا بناطور على نهر «الأبلة»، ونحن تعبون، فجلسنا إليه. فلم يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسران أسود، فوضعه بين أيدينا. فأكل الشيخ الذي كان معنا. فلما رأيت أبي لا يأكل لم آكل، وبي إلى ذلك حاجة. فأقبل الناطور على أبي فقال: «لم لا تأكل؟». قال: «والله إني لأشتهيه، ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك إطعام الناس من الغريب. فلو جئتنا بشيء من الشهريز والبرني لأكلنا». فقال مولانا، وهو شيخ كبير السن: «لكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قط».

أصل بهذا الاقتباس إلى النهاية الثانية، غير واثق من نجاحها في محو أثر النهاية الأول الانتقامي، واصلاً ما انقطع من خيوط الطريقة الشاذلية بغياب آخر العباسيين من نسل الكواوزة، مرخياً عنان خيولي في شوارع باصورا عسى أن تلتقي عند السطر الأخير من سطور النخل بنواطير الأبلة وشيوخ الطريق وأصحاب الأرض، فأفي بديني لنص الجاحظ، ويسدد الحوذي ما تبقى من ديون المغارسة المستحقة على أبيه فيضع الشيخ العباسي سالماً أمام باب بيته. وهل يتساوى دين النص ودين الأرض؟

«أفاق الحوذي على أقدام شيخه ترتقي سلّم العربة وترتمي في الخباء المسدل وراء ظهره. شهر الحوذي سوطه، وحث الحصانين الساكنين بلسعات لامست الهواء، فجريا على مهل وتثاقل. ولما قطعت العربة مرحلة من الطريق، ذكّر الحوذي شيخه بتفسير حلمه عن النخل المقطوع، فردد الشيخ كلمات الليالي السابقات: «اكتمه في صدرك وسر».

mkhudayyir@yahoo.com