عندما تأسست جمعية الإمارات للمصارعة في 24/3/2001، كانت الأضواء خافتة على هذه الرياضة في البلاد، وبتشكيل الجمعية أخذت تبرز هذه اللعبة تدريجياً بدون قفزات أو طفرات غير مدروسة، فقد ارتأى المسؤولون عن هذه الرياضة أن تكون الخطوات منسجمة مع الواقع ومع قاعدة اللعبة، وحينذاك قال سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان الرئيس الفخري للجمعية والأب الروحي لهذه الرياضة: «إننا نعمل لتحقيق الانجازات في العام 2008».

كان البعض لم يعتد على هذه النظرة المستقبلية، وهناك من رأى أن هذا التاريخ بعيد، غير أننا أدركنا قيمة التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق عندما بدأ شبابنا يحققون الانجازات ويحصدون الذهب والفضة والبرونز في المحافل الخارجية، ولأن الجمعية لم تكن الوعاء المناسب الذي ينسجم مع التطوير المنشود فقد تحولت إلى اتحاد الإمارات للمصارعة والجودو بتاريخ 15/11/2003. كانت نقطة النجاح الأولى تكمن في اختيار محمد بن ثعلوب الدرعي رئيساً لهذا التشكيل الفتي، والدرعي موسوعة رياضية، فضلاً عن كونه محباً لعمله ومخلصاً في أداء واجباته وحريصاً على توفير كل عوامل التقدم، وهو راصد جيد للأحداث الرياضية وللأبطال في جميع الألعاب وشديد الملاحظة، ذات مرة استضاف العداء المغربي الشهير هشام القروج ولاحظ انه لا يشرب الماء إلا من علبة مغلقة يفتحها بنفسه، فلم يفوت الأمر فسأله حتى عرف أن المسألة تتعلق بالمنشطات المحظورة.

وهذا يعني على البطل أن يتحسب لكل «الحروب» وأن يكون يقظاً، فقد توقعه الغفلة فيما لا يهوى ولا يريد.. إن المسؤول الذي تتشكل ثقافته من هذا الرصد ومن الأمور الأخرى الحيوية قادر على ملاحظة نقاط كثيرة في عمله وبالتالي يستطيع أن يتخذ القرارات المناسبة التي تحقق له النجاح. حظي اتحاد الإمارات للمصارعة والجودو بدعم كبير من قبل سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان رئيس مجلس أبوظبي الرياضي، ولا أعني هنا الدعم المادي فحسب، بل الدعم الفكري، فمعروف عن سمو الشيخ هزاع بن زايد قدرته على القراءة الجيدة لمجريات الأمور في الساحة العامة وفي الحقل الرياضي على وجه التحديد، لذا كان داعماً قوياً بتوجيهاته السديدة، وكان من أبرز عوامل قوة هذا الاتحاد محلياً وخارجياً.

سلك محمد بن ثعلوب الدرعي واتحاده الطريق الصحيح عندما مدّ جسور التعاون مع اتحاد الرياضة المدرسية، لأنه يدرك أن هذا القطاع هو المعد الحقيقي للمواهب والممول الذي لا ينضب معينه، والدرعي أبرز من آمن بهذا النهج وعمل به، لأن الرياضة المدرسية قدمت عبر تاريخها مواهب كثيرة في رياضات مختلفة، وعن هذا يقول محمد الدرعي: أود أن أشكر الدكتور أحمد سعد الشريف رئيس اتحاد الرياضة المدرسية على تعاونه الكبير معنا، وسنبقى نقوي ركائز جسر التعاون بيننا حتى نحقق أهدافنا في الصعود إلى منصات التتويج ولنرفع علم بلادنا عالياً في المنافسات الخارجية.

كشفت بطولة خليجي (11) للجودو التي أقيمت تحت رعاية سمو الشيخ هزاع بن زايد ورعى حفل افتتاحها الشيخ خالد بن زايد آل نهيان عن أن شباب الإمارات واكبوا تطورات هذه اللعبة واستوعبوا دروسها على الرغم من حداثتها في بلادنا، وهذه المواكبة لم تكن لتتحقق لولا الجهد الكبير والعمل المتواصل لاتحاد الإمارات للمصارعة والجودو. تبقى صناعة الأبطال الرياضيين من المسائل الحيوية للدول وللاتحادات في جميع أنحاء العالم، وصناعة البطل ليست أمراً سهلاً كما يرى البعض، بل هي صناعة تحتاج إلى عوامل عدة وبيئة مناسبة وقواعد جماهيرية عريضة تدعم هذه الصناعة وتشجعها، وغالباً ما تعاني صناعة البطل خللاً في الفهم لدى الأسرة أو الفريج أو المحيط الخارجي الواسع، وكل هذه الأمور يمكن أن تعرقل هذه الصناعة، لكن النقطة المضيئة أن اتحاد الإمارات للمصارعة والجودو أدرك خطورة هذه العوامل وتعامل معها بواقعية وحولها من عوامل سلبية إلى عناصر نافعة تدفع باتجاه تحقيق الهدف.

ندرك أن اتحاد الإمارات للمصارعة والجودو لم يقف عند هذه المجموعة التي يعدها، بل يسعى لخلق جيل جديد يواصل الرحلة، لأنه وضع خططاً مرحلية لتحقيق الانجازات في الوقت الحاضر، وأخرى بعيدة لتأمين المستقبل المشرق لهذه الرياضة. مبروك لشبابنا الذين حققوا الميداليات بكل أنواعها، ونتمنى لهم المزيد من النجاح والتقدم، ونأمل أن تلتفت جماهيرنا إلى هذه المواهب لدعمها، فالبطل يحتاج إلى الدعم المعنوي كما يحتاج إلى الدعم المادي، ورب كلمة تشجيع تعادل عند الرياضي ثروات كبيرة.

شباب الجودو في مدرسة العلم والحكمة

لقاء سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة كنز لشباب الجودو، لأن سموه مدرسة في العلم والحكمة، وعلى هؤلاء الشباب أن يستثمروا هذه الفرصة الثمينة جيداً، وأن يحسنوا الإصغاء، فدروس سموه تمنح الفرد أعلى شهادات النجاح في حياته الشخصية والمهنية.

جاسب عبد المجيد