«النقد الثقافي في عصر العولمة» عنوان الندوة الثقافية، التي عقدت في أتيليه القاهرة مؤخراً، حيث أكد فيها د.مدحت الجيار أستاذ الأدب العربي بالجامعات المصرية على أهمية النقد الثقافي لكونه يعد نقلة نوعية وتاريخية في عصر ما بعد الحداثة، والذي جاء بديلاً عن الفلسفة بالمعنى الأكاديمي المتخصص أو بديلاً لتعدد الخطابات المتخصصة في شتى ميادين المعرفة ذات الأدوات والمناهج والغايات الخاصة، وهذا بدوره جعل الأنشطة العقلية تبدو وكأنها تدور في جزر منعزلة.

وأشار إلى أن النقد الثقافي مجال ثقافي لم ينتج العولمة فحسب، بل هو سليل نفس العوامل والمتغيرات التي أدت إليها، فالنقد الحديث عودة إلى أصل الثقافة الإنسانية بعيداً عن الخطابات المتخصصة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأدبية أو الفلسفية أو العلمية، هذه النصوص التي تنتج عن أية ممارسة إنسانية ثقافية من قول أو فعل أو حدث له أهمية ويتوالد عنه دلالة ما ولا تندرج تحت تخصص خطاب بعينه، وهى المفردات أو الموضوعات التي يتناولها النقد الثقافي متجاوزا الحواجز القديمة، التي صنعتها الخطابات المتخصصة، والتي كانت تقوم على فكرة النقد أو البنية التي كانت الإطار المهيمن المنظم.

وقال د.صلاح قنصوة أستاذ الفلسفة بالجامعات المصرية: إن الفكرة العامة التي قامت عليها البنيوية، لتستمد في الأساس من عبارة الفيلسوف «هيجل» ونصها «كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي» أى أن هناك بنية أو نسقاً في الواقع على غرار الموجود في العقل الإنساني، وبالتالي فإن الإنسان ليس إلا معبراً أو جسراً يفكر من خلال هذه البنية أو العقل وأن الإنسان يتحدث من خلال اللغة وليس من خلال نفسه، أي أن هناك نسقاً سابقاً للإنسان والممارسة الإنسانية والثقافية.

ولأن الواقع بطبيعته متغير وتفاصيله متعددة. ومن ثم ترتب على ذلك محاولات الإنسان منذ بدء الخليقة لفهم هذا الواقع للسيطرة عليه حتى يتمكن من السيطرة على الآخرين، مما جعله يلجأ إلى وضع نسق جاهز يقوم فيه بترتيب العناصر المتباعدة حتى يسهل فهمها وتفسيرها، إلا أنها بمرور الوقت تحولت هذه الأنساق أو المعقوليات المتعددة أو البنية العقلية والثقافية، إلى واقع ومن هنا جاء اليقين والإيمان بصدق النظريات.

وفى إطار مقارنته بين الحقيقة والواقعية، شدد على أن استخدامنا للحقيقة، كما لو كانت كيانا مستقلاً وسعينا الدائم لاكتشاف الحقيقة الكامنة بينما هي وهم من أوهام اللغة وأنها أشياء يمكن النظر إليها من زوايا أخرى متعددة، فالحقيقة هي وصف معرفي إنساني لحكمنا على الواقع المتغير الموجود بالفعل .

وهو أمر لا يمكن إنكاره، مشيراً إلى أن حكمنا على هذا الواقع يختلف باختلاف الزمان والمكان، بل وحتى من شخص إلى آخر، وأنه من هنا تنشأ فكرة غربة الإنسان عن ما هو قائم فعلياً من وقائع، وذلك من فرط اعتياده لها وتعامله اليومي معها، الأمر الذي يعيد اكتشاف تصورنا نحن في واقع الأشياء في ذاتها، وهى وظيفة الثقافة التي تعمل على السيطرة على الطبيعة ومحاولة فهم العالم الذي نعيش فيه حتى نتمكن من السيطرة على الآخرين.

المعنى الشائع

وانتقد قنصوه النظرة المشينة للفلسفة والفلاسفة في الشرق والتي تختلف عن نظرة الغرب، حيث إننا نستخدمها بالمعنى الشائع على اعتبار أنها أقوال تنتج من فراغ وليس لها قيمة أو معنى، وفى المقابل نجد الصحف اليومية والخاصة تستخدم مصطلح الفلسفة عند الحديث عن التعليم أو الاقتصاد بمعنى الاستراتيجية أو الخطة العامة والنظرة المحيطة للموضوع المتناول بالدراسة في حين أن الفلسفة تعنى كل حكم عام عن الزمن أو الواقع أو الإنسان.

وهى الموضوعات التي لا تخضع بطبيعتها تحت تخصص أو علم معين من العلوم، وهى السؤال الذي لم نجد إجابته في العلوم المتخصصة مؤكداً إلى أن هذا النوع من التفلسف نمارسه جميعاً ويومياً دون أن نشعر بذلك، إلا أنه يعيبه التناقض فقد نكون متفائلين صباحاً ثم نغدو في ختامي اليوم متشائمين أو مكتئبين إثر تعرضنا لحادثة ما.

وقال: إنه في كل عصر ثقافي يكون في الساحة الثقافية منظومة رائدة أساسية ففي العصور الوسطى كان هناك الدين سواء في الشرق أو الغرب، فظهرت الفلسفة المسيحية وكانت الإشكالية في قيام الفلسفة طرح المشكلات والإجابة عليها وفقا للاتجاهات المختلفة والإسلامية، وفى عصر النهضة كان هناك فكرة إعادة لاكتشاف العالم وفهمه علمياً، وكانت الإشكالية الخاصة به ترتبط بالمنهج المتصل بدراسة العلوم الطبيعية.

والذي لا يصلح بالتالي لدراسة العلوم الإنسانية التي ظهرت بعد كانط وهيجل مع الفلسفة المعاصرة، أما في عصر العولمة أو ما بعد الحداثة فقد أصبحت الساحة الثقافية متعددة ومتنوعة، وبالتالي لا توجد منظومة أو نسقا بعينه فكان لابد للفلسفة أن تلبى هذا المطلب الفكري، وحتى في مجال العلوم الاجتماعية، لنجد فيها نظرة جديدة للمجتمع والإنسان، ولم تعد تختص بجانب معين، وإنما أصبحت ـ كالساحة الثقافية ـ شديدة الاتساع والتداخل والترابط.

استراتيجية إجرائية

وأضاف د.صلاح: النقد الثقافي ليس نظرية أو تحليلاً أو منهجاً ولا مذهباً، وإنما هو استراتيجية وممارسة إجرائية لدراسة أي نص ثقافي، وهو أى قول أو فعل أو حدث يحدث في الواقع الثقافي والقيام بدراسته من جميع الزوايا والرؤى بالاستعانة بالنظريات السابقة، التي تكون بمثابة أدوات للفهم.

ومن ثم لا تسقط الماركسية أو البراجماتية أو الوجودية أو الهيجلية أو الكانطية، وإنما تستخدم جميعها كل حسب الحالة موضع الدراسة منبها على أن القانون العلمي الجديد لا يلغى القانون السابق، وإنما يتجاوزه ويحتويه في فكر أوسع ومن هنا كان النقد الثقافي يستفيد من كل ما هو قائم الآن، ومن كل ما مرت به الثقافة الإنسانية، مما يفتح الأفق أمام تفسيرات أكثر صحة وإيجابية كاشفا لنا عن الأبنية الفاسدة من الفكر وتحطيمها كنوع من التنوير الجديد والخروج عن وصاية الخطابات المرسومة الحدود القائمة على قواعد وتقسيمات سابقة التي لا تزال تحكمنا حتى نصبح أكثر تحرراً وقدرة على التفاهم والحوار والتواصل.

القاهرة ـ نهال قاسم