تأهل الشاعر العراقي حازم التميمي إلى المرحلة المقبلة من مسابقة أمير الشعراء التي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وجاء تأهل التميمي الذي أثبت براعته وشاعريته العالية المستوى وأنه سليل فحول الشعر العربي ـ المتنبي، أبو تمام، الجواهري ـ ليكون ثاني شاعر عراقي يتأهل للمرحلة المقبلة بعد أن سبقه ابن بلده الشاعر خالد السعدي في الحلقة الماضية من المسابقة التي تم بثها من على مسرح شاطئ الراحة في أبو ظبي، بينما انضمت الشاعرة العمانية هاجر البريكي والشاعر السوري محمد عبد المولى إلى قافلة الشعراء المنتقلين إلى المرحلة الثانية بتزكية الجمهور.
كانت حلقة «أمير الشعراء» الرابعة، متميزة بكل أوجه التميز، فقد تنوعت فيها التجارب الشعرية التي قدمها شعراء عرب قدموا من جميع أرجاء أرض قحطان وعدنان، وكان أول المتبارين في الحلقة الشاعر الموريتاني الشيخ أبو شجة ولد محمد الذي بدأ ببيتين من الشعر عن القدس وبغداد، وبنفس قومي اتخذ من القالب العمودي الكلاسيكي صورة له، ألقى «أبو شجة» قصيدته «دم الياقوت»، حيث افتتح القصيدة بأبيات غزلية كعادة الشعراء العرب في أيام ما قبل الإسلام، ليعرض بعدها غرضه الشعري المتمثل بأوجاع العالم العربي بمنظور جماعي وبحس فردي.
وتخلل القصيدة مقاربات شعرية مع معلقات الشعر الجاهلي مثل قول عنترة بن شداد: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني.. وبيض الهند تقطر من دمي» رغم عدم اقتراب ميمية عنترة من لامية «أبو شجة» واختلاف البحر، كما استحضر الشاعر الموريتاني ـ الذي أثار إعجاب الجمهور بحيث نال أغلبية تصويت المسرح في ختام الحلقة ـ استحضر بعض معاني شعر «ابن الفارض» وإذا اتسع معنى شعر «أبو شجة» ضاقت عبارة النقد.
بعدها كان المنبر تحت طوع الشاعر التونسي الهادي القمري من تونس الذي استطاع تشكيل صور بديعة عبر قصيدة تضج بالمعاني الفلسفية، استطاع من خلالها إحالة الشخصي إلى فكر إنساني يتماهى مع إرث حاضرة «ابن خلدون»، وغير بعيد عن الهم القومي الذي طغى على أغلب القصائد التي قدمها شعراء هذه المرحلة، قدم الشاعر المصري أحمد صلاح قصيدته التي أهداها لجميع المنتسبين للانكسارات العربية، فكان رأي بعض أعضاء لجنة التحكيم في محله حين اعتبروا أن قصيدته تنتمي إلى قصائد ما يسمى «أدب النكسة ـ حزيران 67» وهو أمر واضح في أكثر صور القصيدة التي تخاطب شريحة واسعة من الجمهور العربي.
وألقى الشاعر الأردني خالد أبو حمدية قصيدة ترتكز على فكرة واحدة يمكن تسميتها «عقد سن الأربعين» وهو ما أعطى لجنة التحكيم دفة الحديث عن هذه العقدة في الأدب العربي، حيث أورد عضو لجنة التحكيم علي بن تميم جملة من الوقائع والأحداث التاريخية التي ربطت الشعراء والأدباء العرب بهذه المرحلة العمرية التي تستحق الدراسة، أما الشاعر السعودي مريع علي فألقى قصيدة بعنوان «وطن» .
وكانت تقليدية لا تحمل أفكاراً متجددة أو صوراً ذات حس حداثي يمكن أن يغير الصور النمطية عن موضوعة الوطن، وقدمت الشاعرة الإماراتية هدى السعدي قصيدة جميلة بقالب المقاطع الحوارية أسمتها «جدلية القلب والعقل» حيث اتضح عمق العبارة الفلسفية فيها واشتغال الشاعرة على منطقة خارج سرب ما يعرف بالشعر النسائي الذي يصر العديد من ذكور النقد العربي على حصره في مجال معين، ويحسب للشاعرة السعدي أنها تجاوزت الأفق المحظور في ملامح القصيدة النسائية ـ مع تحفظنا على هذا المسمى ـ ويبدو أن كلمة الفرزدق «إذا صاحت دجاجة بصياح الديكة فاذبحوها» ما زالت تهيمن على المشهد النقدي العربي.
لقد تركنا قصيدة الشاعر العراقي المتأهل حازم التميمي إلى آخر المطاف لأنها «مسك القصائد» ولا يمكن لأسطر انطباعية ـ لا نقدية ـ قليلة أن ترقى إلى استبطان معالم هذه القصيدة «التي لا يرقى إليها الطير وينحدر عنها السيل» فكانت «همزية التميمي» واحدة من أجمل القصائد التي ألقيت حتى الآن في المسابقة مليئة بالصور والاستحضار البهي بتاريخ ابن الرافدين، استحضر التميمي قصة الخليقة الأولى من منشأ الطين السومري.
واستحضر مجازاً قصة الخليل إبراهيم ـ أبو الأنبياء ـ الذي ولد في مدينة التميمي وآثار بيته ما زالت شاخصة هناك، وكان لتأثير الشعر العراقي الحديث للرائع بدر شاكر السياب ـ رغم أن القصيدة من الشعر العمودي ـ حاضراً في كثير من مفردات القصيدة بما فيها المفردات الشعبية التي اشتغل عليها التميمي بجمال وألق «كركرات ـ الصرائف.. وغيرها» بوحي من الإرث الرافديني الذي لا تستطيع قوى الظلام من طغاة أو محتلين من محوه، لقد استمع الجمهور إلى التميمي مجازاً؛ فقد استمعوا إلى الشاعر السومري الأول وهو يسطر ملحمة «جلجامش» .
واستمعوا إلى المتنبي وهو يرتل أشعاره التي لم تدوّن في صحراء الغري، ورأوا بغداد الرشيد وهي تنشد للعالم بأصوات أبو نواس والشريف الرضي وأبو العتاهية وبشار، وهل لمن يرث روح شاعر العرب الأكبر الجواهري في «حييت سفحك عن بعد فحييني.. يا دجلة الخير يا أم البساتين» من يماهيه شاعرية! لقد كان العراق حاضراً بكل جراحاته وأحزانه التي تنوء عن حملها الجبال في قصيدة التميمي، وهي بانوراما استطاعت اختزال حكاية أرض الرافدين، فشعت أضواؤها المتألقة على رمال الصحراء العربية، ولئن أعاد الزمان دورته لكانت «همزية التميمي» مع المعلقات وهي أقل ما تستحق.
أما الشعراء السبعة المتبقون من هذه المرحلة، والذين سيلقون قصائدهم الأسبوع المقبل، فهم: تميم البرغوثي من فلسطين، سليمان دمهوش من اليمن، طلال سالم من الإمارات، مصطفى الجزار من مصر، محمد بن مسلم من عمان، حنين عمر من الجزائر، أحمد السوسي من سوريا.
وراء الكواليس
أبدى محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث تفاؤله بنجاح مسابقة أمير الشعراء، وصرح المزروعي ل«البيان» وراء كواليس المسرح أنه يأمل أن تعيد هذه المسابقة الشعرية بعضاً من الألق والضوء الذي يستحقه الشعر العربي الفصيح في هذا الزمن، وأن فكرة إدخال الشعر الفصيح إلى دائرة الضوء عبر برنامج تلفزيوني جماهيري ـ رغم الانتقادات ـ هي من أجل طرح أسماء شعرية عربية حديثة، لأن الأجيال العربية المعاصرة ـ والحديث للمزروعي ـ لا تعرف من الشعراء العرب إلا القدامى منهم عن طريق بعض المناهج الدراسية.
كما أن الشعر العربي الفصيح لم يتحرك من مكانه ولم يعطَ فيه المجال طيلة نصف قرن مضى، حيث الأسماء المكرسة نفسها: محمود درويش، سميح القاسم، الجواهري، نزار قباني، بينما لم يعطَ المجال لآلاف الأصوات الشعرية المعاصرة للوصول إلى الجمهور، وهو ما تحاول مسابقة أمير الشعراء تحقيقه عبر أساليب حديثة خدمة للأدب العربي و«ديوان العرب» الذي لن يغلق أبوابه لأن العرب أمة ولادة ولن تعقم عن إنجاب شعراء بمستوى راقٍ لتقديمهم للعالم والإنسانية.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

