كنت منذ صباح أمس أتابع مشاعر العراقيين في الداخل من خلال القناة العراقية الرياضية.. كان وجه (تانيا) مقدمة البرامج يخبئ قلق شعب بأكمله وعلى شفتيها تتعذر الكلمات تاركة الحديث لدمعة فرح مؤجلة ترفض الإفصاح عن نفسها قبل الأوان.

كان نبض العراق كله في «عراقية الرياضة».

لم يختلف العراقيون هذه المرة.. كانوا متفقين على الفوز، والفوز في منظورهم لا يعني التأهل إلى النهائي، بل الفوز في الدرس الذي يقدمه المنتخب والشعب معاً «لسياسيي البلاد».. الله واحد والشعب واحد والوطن واحد.. دمعة الفرح واحدة ودمعة الحزن واحدة.

كان سفراء الوحدة العراقية على قدر المسؤولية وكانوا أبطالاً لم تتعبهم الجولة الطويلة ولا السفر الطويل، كان العراق ينام في ضمائرهم آمناً بعيداً عن «مفخخات أعداء الحياة».. كان العراق الذي ظهر على «العراقية الرياضية» يترقب ماذا يفعل اللاعبون في الجبهة الأمامية من المعركة.

سمعت الحلاق في محله يقول: أعرف أن كوريا قوية، لكن منتخبنا أقوى، وأعرف أن لاعبينا سيقاتلون حتى الرمق الأخير من أجل صناعة الفرح العراقي.. وفي الشارع قال الشرطي: اليوم يومك يا عراقي.. قال الطفل: نعم.. النصر لنا.

سائق التاكسي حذر من سرعة الكوريين لكنه طمأن المشاهدين: «لا تخافون أولادكم سباع».

وترتجف من جديد على شفتي «تانيا» كلمات الأمل والفرح والقلق.. كيف لا وهي تسمع توقعات الجماهير.. توقعات فوز، إذ لا أحد يتجرأ على الأدلاء بتوقع غير هذا.

الكل يريد الفوز

اليوم من حق يونس محمود أن يعلن تشكيل وزارته.. نور صبري وزيراً للنور، وهوار وزيراً «للفرح» وباسم عباس وزيراً للدفاع، ونشأت «للإخلاص» وقصي منير «للوفاء» ومهدي كريم «للمحبة» وكرار جاسم «لصناعة المجد» واحمد مناجد «وزيراً للمحبين» وجدد يونس الثقة في سفرائه علي رحيمة والحيدرين وجاسم وخلدون والبطل الجريح سدير ولؤي ومحمد وغيرهم.

يمضي العاشقان دجلة والفرات باتجاه الجنوب وعند «كرمة علي» وبالقرب من شجرة آدم يتعانقان أمام نظر الجميع من دون خوف أو خجل فيولد الشط العجيب.. شط العرب.. من هذه النقطة.. من هذا الملتقى أرسلوا الماء إلى حيث يوجد اللاعبون العراقيون.. اغسلوا تعبهم واطفئوا ظمأهم.

الحديث طويل عن النصر العراقي لأنه مختلف، لأنه من صناعة «مهاجرين» طال بهم الشوق إلى وطنهم، يريدون أن يخوضوا التصفيات على أرضهم ذات يوم، أو أن تكون البطولة كلها على تربتهم وبين جماهيرهم.. طال الشوق.

لا نريد أن نطيل .. نقول لكم شكراً أولاد «الملحة»، و«الملحة» عزيزي القارئ المرأة العراقية المكافحة التي تعمل في ظروف قاسية من أجل أن تربي أولادها وإعالتهم «الملحة» التي تعمل في البر وفي الريف وفي البناء وفي كل المهمات الصعبة، لذا فإن أولاد «الملحة» هم الأبطال الذين يعبرون الصعاب بالصبر والتحدي.

لعب العراقيون الكرة منذ زمن بعيد وأحبوها وشكلوا فرقاً شعبية ومارسوها بحب لا مثيل له، واليوم في الساحات المزروعة بالمتفجرات يحدد الصغار مساحة المرميين بأحذيتهم ويلعبون حفاة على تربة ملطخة بالدماء، يلعبون من اجل أن تبقى قاعدة الكرة جيدة، وفي الملاعب الشعبية التي لا يرعاها أحد تجد هناك مشجعين يصفقون للصغار ويهتفون لهم، وغير الصغار هناك الشباب الذين يمارسون الكرة لكنهم لا يتخاصمون حتى وان كان الحكم لا يعي قانون اللعبة ولا يحكم بدستورها.. الكرة في العراق فن وإبداع، والعراق وطن الإبداع رغم جرحه النازف.

نعم الصغار يلعبون من أجل رفعة حضارة عمرها ستة آلاف سنة.

خرج العراقيون يبتهجون في شوارع المدن العراقية يتبادلون «المسجات»

«الأسد يمشي على جرحه وما يبين هو جريح

هذا طبعك يا عراقي وما يصح إلا الصحيح»