هناك أمور في الحياة العامة يصعب الاتفاق عليها، ويختلف الناس فيما بينهم حول كيفية التعامل مع هذه القضية أو تلك، ويرجع السبب في ذلك إلى اختلاف الثقافات والمعتقدات فضلاً عن الصحة العامة والصحة النفسية، كما يختلف الفرد مع نفسه بين زمن وآخر بسبب تراكم خبراته وتوسّع خياله.

* لماذا يكثر الاختلاف في التفسير؟ هناك من يفسّر الكلام تفسيراً دقيقاً، وهناك من يذهب إلى ما وراء الكلام، وهنا تختلط الأمور ومن ثم تختلف المعالجة. قد تخرج الكلمة بريئة، وقد تخرج مقصودة وتحمل معنيً معيناً، والكلمة في كثير من الأحيان أبلغ من الرصاصة. قال لقمان «يا ولدي إن من الكلام ما هو أثقل من الحجر وأمرّ من الصبر وأحر من الجمر وأنفذ من وخز الإبر، واعلم يا بني أن القلوب مزارع فأزرع فيها طيب الكلام وحلو الحديث، فإن لم ينبت كلّه نبت بعضه والسلام». عندما يتصل بك أحد الأصدقاء فتخبره بأنك تعاني صداعاً شديداً.. المعنى المجرد واضح، لكن المتصل قد يفهم الأمر من زوايا عدة.. قد يفهم أنك تعاني الصداع وتحتاج إلى من يساعدك، وقد يفهم أنك تتهرب من موعد مسبق، أو بمعنى آخر مختلف.

الدبلوماسيون يشتغلون كثيراً على الكلام ويحاولون دائماً الوصول إلى الهدف من دون خسائر، ولم ينحصر عمل هؤلاء في الهيئات الدبلوماسية، بل هم موجودون في كل الحقول، والدبلوماسي الناجح هو من يعرف تفاصيل اللغة واللعب على المفردات ليحمي مصالحه أو مصالح من يمثله، دولة كانت أم جماعات. ميتسو لم يقل ليعقوب السعدي مساء الخير (في مساء آسيا) بل قال ما قال، لكنه أكد أنه باقٍ مع المنتخب الأبيض حتى كأس العالم 2010، إذا لم تعترضه مشكلة، أو إذا رأى اتحاد الكرة غير ذلك، والكثيرون فسّروا تأكيد بقائه بالنية الحسنة واكتفوا بصدر الخبر دون النظر في «توابعه».

والنية الحسنة تدفعنا لمزيد من التفكير أيضاً. دعونا نتساءل عن «المشكلة المرتقبة» التي تحدث عنها المدرب ميتسو من دون أن يحددها. كيف نستطيع تفسير أو تحديد المشكلة من دون أن نوجد المزيد من المشاكل؟ فالمشكلة التي تحدث عنها المدرب عامة وعائمة.

على سبيل المثال

هل رفض تجنيس لاعب ما أراده المدرب.. مشكلة؟

هل رفض اتحاد الكرة إيقاف الدوري لمدة ما بناء على طلبه.. مشكلة؟

لو أراد تغيير أعضاء اللجنة الفنية ولم يحدث هذا.. مشكلة؟

لو طالب بعدم نشر أخبار المنتخب ولم يتم ذلك .. مشكلة؟

لو أراد تغيير لون «فانلة» المنتخب ولم تحصل الموافقة.. مشكلة؟

لو طالب ميتسو إيقاف إعلامي عن العمل ولم يتحقق له .. مشكلة؟

كل هذه الأمور الافتراضية قابلة للظهور، لأن «القضية» ليست في أصل المشكلة، بل في تفسيرها، فما طرح من افتراضات قد لا تكون مشكلة، لكن قد تكون في بال من يريدها «مشكلة كبيرة» تستحق أن تثار من أجلها قضية البقاء أو الرحيل. نحن ندرك أن المدربين لا يعمرون طويلاً في ملاعبنا، كما هم في كثير من الدول، واستقالة مدرب ناجح مثل ميتسو ليست نهاية حلم، بل هناك مدربون آخرون جيدون في العالم.

ما يجب الانتباه له الآن هو كيف نعد للمدرب الحالي وللمدربين الجدد القادمين آجلاً أم عاجلاً أجيالاً كروية قادرة على تحقيق أحلام وطموحات الناس. أعرف أن الافتراض يزعج البعض، لكن ميتسو كان دقيقاً جداً في وضع مفردة «المشكلة» في موقعها المقصود وليس في الموقع العفوي، وإذا ما حصلت «المشكلة» التي لا نتمناها سيقول لسان حاله لنا «أنا ودّي ولكن ما حصل لي».

قيل في الرجل: «هناك من يدري ولا يدري أنه يدري ويريد أن يدري ذلك ناسٍ فذكروه، وهناك من لا يدري ويدري أنه لا يدري ويريد أن يدري ذلك جاهل فعلموه، وهناك من يدري ويدري أنه يدري ويريد أن يدري ذلك عالم فاسألوه، وهناك من لا يدري ويدري أنه لا يدري ولا يريد أن يدري ذلك أحمق فاجتنبوه». ولأننا نريد أن نبحر في مركب واحد علينا أن نعلم الجاهل ونذكر الناسي ونسأل العالِم ونتجنب الأحمق. علينا أن نهيئ الأجواء السليمة للمدرب الفرنسي ميتسو وأن نقف إلى جانبه حتى وإن اختلفنا معه، وكذلك علينا أن نهيئ الأجواء الطيبة لكل من يريد أن يقدم خدمة لكرتنا.

جاسب عبد المجيد