اتفق الجميع على ثورة يوليو عند قيامها للوهلة الأولى، ولكن بعد فترة وخاصة بعد بدء تنفيذ أهدافها التي أعلنت عنها اتفق البعض على طريقة التنفيذ فيما رأى آخرون أن المبادئ لا غبار عليها وأنها لصالح الشعب خاصة الفقراء، ولكن طريقة التنفيذ لا تتناسب مع ثورة كبيرة لها أثرها الفعال في مصر والعالم العربي ولذلك ظهر نوعان من الكتاب هما «صناع للثورة» والثاني «صناعة الثورة».
ولأن الكتاب هم ضمير الأمة وموجهو الرأي العام في أي مجتمع، علا هذا المجتمع أم انخفض فانقسم للاتفاق عليها والوقوف خلف قادتها «الضباط الأحرار» وعلى رأسهم عبدالناصر صاحب «الكاريزمة» والزعيم الذي استطاع أن يجمع حوله مجموعة كبيرة من هؤلاء الكتاب، ثم كان القسم الآخر الذي ولدت موهبته وظهر ككاتب معروف مع الثورة، فأصبح مؤمنا بها مدافعاً عنها وهؤلاء نسميهم الذين صنعتهم الثورة، وحول الكتاب ودورهم في الثورة أو دور الثورة وقادتها في صياغتهم ككتاب كبار نرصد بعضهم.
فبداية من طه حسين وتوفيق الحكيم ووجدي هيكل ومصطفى وعلي أمين ثم إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وثروت عكاشة وعبدالرحمن الرافعي ثم كان على رأس الجميع محمد حسنين هيكل الذي كون مع الثورة أهم علاقة بين السلطة وكاتب كبير حتى أن بعض المحللين والخبراء وصفوا علاقة هيكل بعبدالناصر قائد تنظيم الضباط الأحرار ثم رئيس الجمهورية بـ «ثنائية الكاهن والفرعون».
رغم أن طه حسين كان وزيراً للمعارف قبل الثورة، إلا أنه مع بزوغ الثورة أيدها ووقف بجانبها معتبراً المبادئ التي جاءت بها أشبه بمبادئ الثورة الفرنسية. واعتبر أن من أهم انجازاتها أن يحكم مصر أحد أبنائها كما أن الثورة حققت حلم عميد الأدب العربي بجعل التعليم حقاً لكل المصريين، تطبيقاً لمقولته الشهيرة التعليم كالماء والهواء.
توفيق الحكيم له تأثير كبير في جموع الناس كان من أهم الكتاب الكبار الذين أعطوا للثورة شرعية كاملة عند الشعب المصري عامة والمثقفين خاصة.ويعتبر عبدالرحمن الرافعي من أهم من كتبوا عن الثورة وترجع أهمية كتاباته عن الثورة أنه كتب عن ثورات المصريين مثل الثورة العرابية التي صنعها المصريون.
ومن الكتاب الذين بزغوا مع الثورة وأهمهم إحسان عبدالقدوس، يوسف السباعي وإن كانا اشتركا في الموهبة الصحافية والفنية في كتابة القصة والرواية إلا أنهما ورغم اتفاقهما على أهمية الثورة لمصر والعالم العربي إلا أن عبدالقدوس أخذ على عاتقه أنه لا يؤمن بأشخاص ولا ينتمي لأحزاب.
أما يوسف السباعي فقد التقى مع الثورة فكراً وروحاً وإيماناً وعطاءً ولا غرو في ذلك فقد كان السباعي أحد ضباط الجيش قبل الثورة في سلاح الفرسان ولذلك حينما كتب روايته الشهيرة والتي أصبحت فيلماً تحت نفس العنوان «رد قلبي» التي كانت من أفضل الروايات التي أرخت للثورة.
رغم بداية محمد حسنين هيكل قبل الثورة في بلاط صاحبة الجلالة إلا أنه بعد قيام الثورة جعلت منه شيئاً آخر فاقترب من جمال عبدالناصر حتى أصبح المتحدث الرسمي باسم حركة الضباط الأحرار وكان أحد صناع تاريخ مصر بعد الثورة وكذلك تاريخ الصحافة المصرية.
لم يكن هيكل صحافياً عادياً بل كان له دور عظيم على مسرح الصحافة والسياسة المصرية والعربية على حد سواء فكان هيكل في فترة الثمانية عشر عاماً التي بدأت من بعد الثورة وانتهت بوفاة عبدالناصر.
يقال أن يوليو لم تكن عسكرية فقط وإنما كانت ثقافية فأخرجت الفكر من قلوب وعقول المبدعين فخرجت إلى الحياة رواية «الأرض» للشرقاوي و«رد قلبي» ليوسف السباعي. الشاعر والناقد د. كمال نشأت يرى أن الكثير يهاجمون ثورة 23 يوليو ولكن كل من أنصف الحقيقة وأنصف نفسه أولاً لابد وأن يعترف من تلقاء نفسه أن هذه الثورة لعبت دوراً علي جميع المستويات الداخلية والخارجية.
ولم تكن الثقافة والأدب بعيدة عن اهتمام قادتها، فأتاحت له الفرص وأطلقت له العنان يسبح في بحور الأدب دون خوف من تكميم الأفواه أو البطش فشهدت مصر في عهد الثورة نهضة أدبية لم تعرها من قبل، ويكفي أن نذكر ما تحدث به الأدباء عن حال المسرح في الستينات وهو العهد الذي استهدفه الكثيرون وقالوا عنه أنه يغلق الأفواه ويخرص الألسنة.
يؤكد الناقد المسرحي د. حسن عطية أنه رغم مرور الأيام وتواري أفكار الثورة في قوالب تبدو مستسلمة للواقع الذي نعيش فيه، إلا أن فكر وثقافة ثورة يوليو مازال رموز الثقافة حريصين عليه سواء كانوا في مناصب عليا أو مؤسسات ثقافية وسياسية، وأقول اليوم أن الأيام والمتغيرات لم تستطع أن تحمي مبادئ الثورة الثقافية .
وأن الباقي منها كثير جداً، لأنها اعتمدت عليه منذ قيامها، فالأعمال المسرحية التي قدمت إبان الثورة مازالت باقية لتعبر عنها وعن فترة الإبداع فيها مثل أعمال نجيب سرور وسعد الدين وهبة ومحمود دياب ونعمان عاشور وغيرهم من الرموز التي تزخر المكتبات بالعديد من نصوصهم الأدبية الدرامية الجريئة التي تعبر وتنتقد دون خوف أو بطش.
ترسيخ الهموم العربية بعد سنوات طويلة من الاستعمار كان أبرز العلامات الفارقة لثورة يوليو التي أعادت للمثقف العربي كيانه وإحساسه بالحرية هذا ما بدأ به الناقد إبراهيم فتحي، والذي تابع قائلاً: إن المؤسسات الثقافية ووضع المثقف علي قمة أولويات الدولة كان له الأثر الكبير في نهضة الأدب والحفاظ علي الهوية الثقافية التي أرستها الثورة.
ولم تستطع رياح التعرية أن تنال فيها، والواضح أننا نلاحظ اليوم تباينا واضحا بين المثقف إبان ثورة يوليو واليوم، فلم تعد العدالة الاجتماعية ورعاية الفقراء تستحوذ على اهتمامه، وهناك نغمة تسود الوسط الأدبي الآن نتحدث عن خيبة الآمال في القومية العربية والمشروع القومي العربي، ودفع ذلك العديد من المثقفين إلى الانكفاء على ذواتهم الفردية بعد أن فقدوا الثقة في العمل الجماعي.
أما د. عاصم دسوقي أستاذ التاريخ الحديث فيقول: إن المتابع للمشهد التاريخي المصري يتأكد أن ثورة يوليو جاءت تابعة من أعماق وفكر مختلط من بين جموع شرائح المجتمع المصري والذي خلفته ظروف الاحتلال التي كانت تعيشها البلاد.
