أي الأشياء أسوأ: الخوف على الحياة أثناء قصف جوي أو الاضطرار للهرب نجاة بحياتك أثناء غارة جوية أو أن تكبر دون أن يكون لك أب؟ الأرجح أن كل هذه الأشياء سيئة بشكل متساو بالنسبة للأطفال ويمكن أن تؤدي مثل تلك التجارب إلى تداعيات خطيرة حتى بعد عشرة أعوام. وقتها يعود الشعور بالخوف والحزن مجددا. ولا يدرك الناس عادة أن خبرات طفولتهم في الحرب العالمية الثانية هي السبب.

ويقول البروفيسور هارتموت رادبولد في كتابه «ظلال الماضي القاتمة» إن ربع الأطفال الألمان بعد الحرب نشأوا في ظل غياب آبائهم لفترات طويلة أو حتى بدون وجود الأب على الإطلاق. وأصبح ما يقرب من 250 ألف طفل في ألمانيا ايتاما بعد أن فقدوا كلا من الأب والأم في الحرب. وقال رادبولد رئيس المعهد التعليمي لطب النفس البديل في كاسيل كان من بين اللاجئين الألمان مليونان من الأطفال والشباب.

وكتب رادبولد أن حوالي ثلث هؤلاء الأطفال والشباب مر بتجارب مدمرة أو صادمة وظل الكثير منهم يشعر بآثارها في وقت لاحق من حياتهم، إلا أنهم عادة لا يتحدثون عن تجاربهم. ويقول البروفيسور إلمار بريهلر من قسم علم النفس العلاجي وعلم النفس الاجتماعي في جامعة ليبزيج إن الألمان كانوا هم الأشرار في تلك الحرب وعندما يفكر الناس في دور البلاد في الحرب يميلون إلى إلقاء اللوم على ألمانيا ولذا فإن أولئك الذين كانوا أطفالا أثناء الحرب يحجمون عن سرد ذكرياتهم عنها.

وتقول كورين آدلر من عيادة الطب النفسي لكبار السن في مستشفى نورمبرج إن الكثيرين «عاشوا في ظل ذكريات مبهمة إلى حد كبير». وكتب رادبولد أن تأثيرات زمن الحرب تظهر في الأشياء الصغيرة مثل عدم القذف بأى شيء بعيدا على الإطلاق.

وقال بريهلر إن بعض هذه الذكريات يظهر بشكل متدرج وتوضح أن الشخص لديه مشكلة أكبر. بينما تظهر بعض الذكريات بشكل مفاجئ. ومن جانبها تقول آدلر إنهم يشعرون بالعجز عندما يتذكرون هذه الأحداث المرعبة ولو زادت هذه المشاعر فإنها يمكن أن تؤدى إلى ردود فعل مرضية. وأضافت آدلر أنه في بعض الأحيان تظهر صور ذهنية، ولكن بشكل عام فإن هذه الذكريات تخرج عادة على شكل مشاعر بالحزن أو الخوف أو الرعب. كما يمكن أن ينتج عن ذلك شعور بالصداع أو إحساس بالانقباض في منطقة الصدر. وأضافت «الإحباط أو المشاكل الجسدية يمكن أن تكون وراء هذه الشكاوى». ولذا يصعب تحديد السبب الحقيقي لهذه المشاكل.

ويقول رادبولد «الخطوة الأولى هي القبول بأن الحزن والاكتئاب ليسا من أعراض التقدم في السن». وينبغي على أولئك الذين يعانون من ذلك أن يفكروا مليا في التجارب التي مرت بهم. ولو كان هناك الكثير من الأشياء السيئة فينصح هؤلاء بأن يتحدثوا مع شخص ما بشأنها. ومن بين هؤلاء الأشخاص أبناء الشخص نفسه. لكن هؤلاء الأشخاص يخشون غالبا من أن تستدعى أسئلة أبنائهم ذكرى المزيد من التجارب السيئة.

وقال بريهلر «الحديث عن هذه التجارب بين أفراد العائلة قد يكون سببا للتحرر منها... ويمكن لكبار السن أن يقرروا بأنفسهم ما يرغبون في الحديث عنه. وتنصح آدلر الأبناء بالتحلي بالحرص في طرح الأسئلة حول تجارب الحرب عندما يلاحظون أن الوالدين يجدان صعوبة في رواية ذكرياتهم في سياق الحرب.

وقد يكون البديل هو مقابلة طبيب نفسي، بينما يكمن حل ثالث بحسب رادبولد في كتابة السيرة الذاتية. وأضاف «وعندها يمكن للشخص أن يرتب أفكاره» فهذا يساعدهم على تقبل تلك الصور المرعبة التي يحملونها داخلهم كجزء من تاريخهم.