يقبل فن الحكاية ما تقبله الفنون الأخرى من صفات وعادات وتقاليد: مثل الفطرة والانضباط والصدق والتأمل والانفعال. كما يقبل الأساليب العديدة لفنون الطبخ والملبس والرقص والتصوير والموسيقى، وامتزاج الإيقاعات الكرنفالية السريعة في الخطاب الحار بالإيقاعات البرتوكولية البطيئة في الخطاب البارد. أي أنه يقبل كل ما يسوغ الدخول إلى قلعة هذا الفن التي يحتشد على بابها كتاب العالم من كل الأصقاع ليحوزوا من أساتذتها أصول اللياقة ونظام التفكير وخيال الصنعة ومهارة التوقيع بختم النصوص الحكائية الضاربة في القدم.
يقبل فن الحكاية تنازل القصّاص عن أدواته واستعارة أدوات حرفية مماثلة تنسبه إلى صنائع المحترفين المجهولين والمعلومين في سوق الكدح الخيالي المقترن بمشقة اليد الواهبة جمال الشكل والتكوين، واستغراق الفكر في متعة ولادة الكلمات المهملة منذ أجيال، والقوافي التي لم تستعمل منذ ألف عام، وكما يقول (لوـ تشي) فإن الكاتب المتأمل (يرى الحاضر والماضي في رمشة عين، ويمد يده فيلمس جميع البحار).
تخدم أدوات القصاص الوظائف التي تخدمها أدوات مثل: كوز الماء، ميزان الصائغ، ملقط الساعاتي، قلم النساخ، نول الحائك، إبرة الخياط، مخرز الإسكافي، دلو السقاء. وتتفق الخصائص الفردية لعمل القصاص مثل: الاستبصار والارتجال والكتابة، مع خصائص الحرف اليدوية مثل: الابتكار والمحاكاة والإمتاع. أما أنظمة الحكاية مثل: التتابع والتناوب والتأطير والتضمين والاسترجاع، فتتفق مع أنظمة الحرف اليدوية مثل: التحليل والتركيب والتوليف والتقليد..
إن هذا التوافق بين الصفات الحكائية الخاصة والقواعد الحرفية العامة يؤكد قابلية النصوص على استيراث التقاليد، أو تجديدها وتوسيع عناصرها، أو استمدادها من فنون الشعر والتصوير والموسيقى عناصر إلهامية أرقى. ولا أدل على ذلك من امتزاج الشعر والنثر في قوانين (فن الكتابة) التي وضعها (لو ـ تشي) (261 ـ 303) شعراً ومزجها بنثر الطبيعة وتأملات العقل. (انظر نص لو تشي إضافة إلى نص سيكونغ تو 837 ـ 908 ونصوص صينية قديمة في كتاب (فن الكتابة) ترجمة عابد إسماعيل ـ دار المدى 2004).
أنشأ الجاحظ وابن الجوزي وأبوحيان التوحيدي نصوصاً في صفات القصاص العربي وعاداته، وقد لا يُزاد على هذه النصوص أو يُنقَص منها إلا بمقدار ما يؤكدها أو يجاورها. إن الإخلاص والزهد والتجوال والارتجال وطلاوة الكلام، صفات الحاكي القديم، تتداخل في شخصية القصاص الحديث فتهذب صفاته الفردية والاجتماعية، وتصقل أدوات عمله الأدبي، وتقربه من جدران القلعة الحكائية الخيالية.
أتبنى هنا قواعد القصاص المصري يحيى حقي التي دونها (في دفتر قديم) لتوسيع المبادئ الحرفية لفن الحكاية، وتسويغ الشرائع التي تيسر طرق الإرسال والاستقبال لنصوص الحكاية الشرقية والعربية القديمة. استوحى يحيى حقي هذه القواعد من تجربته الفردية في كتابة القصة القصيرة، واتصاله بنماذجها القائمة منذ ألف عام في خياله المديد، وألخصها بما يأتي:
ـ إحساس طاهر، فطري، سليم، بريء، بالجمال.
ـ تعاون وثيق بين العقل والروح، والضبط والانفعال.
ـ فهم سليم لسريرة الكون في نظامه الأزلي.
ـ تمسّك بالصدق، وحب التأمل المصحوب بالخشوع والحزن المخفف بالسخرية اللماحة.
ـ حبّ للتحديد والحتمية (تحديد المعنى وحتمية اللفظ).
ـ هيام بالإيقاع وانتباه لموسيقى الألفاظ، بمعنى آخر هيام بالشعر، بروحه لا ببحوره وأوزانه. هذه هي سجايا الحكاية (المعتدلة) كما تتجلى في تجربة حكائية عربية، توّجها يحيى حقي بقصصه المختومة بختم المراصد المشرفة على دلتا النيل، موطن الإلهام العظيم.
إن الإضافات الفردية على قواعد هذا الفن القديم، زادته التصاقاً بالطابع الشعري الذي استساغ يحيى حقي أقوى مساراته (الهيام بالإيقاع وموسيقى الألفاظ) وهو (المسار) نفسه المتضمَّن في القاعدة الثالثة من قواعد (فن الكتابة) الإحدى والعشرين التي صاغها لو ـ تشي من إبريز الطبيعة وحرير الشعر وينبوع الفكر بنسب دقيقة.
(ابحثْ عن الكلمات وعن مدار الفكر، واخترْ النظام المناسب.
أطلقْ سراح أشكالها المشرقة، وانقرْ على الصور كي تسمع كيف تغني.
الآن، الأوراق تنمو على أغصان الفكر، الآن تتّبع تياراً إلى منبعه.
أخرج المخبوءَ إلى الضوء، وشكّل المعقد من البساطة.
الحيوانات ترتجف عند مرأى النسق المتبدل للنمر، والطيور تفر مذعورة عندما ترى التنين.
بعض الكلمات تنتمي إلى بعضها، وبعضها الآخر لا يتجانس مثل أسنان غير متسقة.
ولكن عندما تكون صافياً وهادئاً، تجد روحُك الكلمات الحقيقية.
وحيث السماء والأرض يحتويهما رأسك، لا شيء يفوت القلمَ الذي في يدك.
صعب أن تباشر في البداية، ومؤلم مثل الحديث مع شفاه متشققة، غير أن الكلمات ستسيل مع الحبر في النهاية.
يحمل الجوهرُ المضمونَ مثلما يحمل الجذعُ الشجرة، وتتسق اللغةُ إلى أغصان وأوراق وأثمار.
الآن تتناغم الكلمات مع المضمون، مثلما يتناغم وجهك مع مزاجك.
ابتسمْ عندما تكون سعيداً، وتنهدْ عندما يؤلمك قلبك.
أحياناً يمكنك أن ترتجل بسهولة، وأحياناً تكتفي بأن تعضّ على الفرشاة وتفكّر).