يكتب الشاعر اللبناني محمد الأمين قصيدته بشفافية مرهفة، تتضح بالتفاصيل اليومية وأسرار المنزل والعائلة، وهو إذ ينسج خطوطه البيضاء نحو البيت في باكورته الشعرية، يحدد ملامح البدايات في تجربته الوليدة، التي تنهل من البيئة الريفية في جل نصوصها.

الأمين القادم من الجنوب اللبناني إلى بيروت يدخل التجربة بحسابات العارف بأمور الساحة الثقافية، وهو الذي نشأ في بيئة أدبية حيث والده شاعر يكتب القصيدة الكلاسيكية، بينما يزخر محيطه الاجتماعي بالشعراء والأدباء والإعلاميين.

في زيارته القصيرة إلى دبي التقينا محمد الأمين الذي تحدث بصراحة عن أحوال الساحة الشعرية في لبنان هذه الأيام:

ـ كيف جئت إلى الشعر.. هل تشعر بأنك تنتمي إلى جيل معين من أين تأتي الكتابة عندك؟

ـ حين كتبت القصيدة الأولى شعرت بأنني أدخل إلى عالم جديد عالم لم أكن أنتبه إليه من قبل كشعوري حين قررت السفر للمرة الأولى، ولما وصلت المطار لم يكن بانتظاري أحد، ساعتئذ أحسست بمرارة الوحدة والغربة القاسية، وكثيرا ما يشبه الشعر السفر، مع فارق ان الوحدة التي يحدثها الشعر أو التي تحدثها القصيدة هي أرق

وأعذب وأصفى من ذلك الضياع في شوارع المدن الغريبة مع تلازم المصادفة بين الاثنين، ودخلت عالم الشعر من باب بيتنا الجنوبي في مدينة صور حيث أبي كان يقيم حلقات الشعر في المنزل كونه شاعراً، وانتبهت من هناك إلى ذلك الوميض المشرق والمشع والجميل وتأتي الكتابة عندي من مجموعة التفاصيل اليومية والحياتية التي تحيط بي وأحيط بها فالحب مثلا هو حالة إبداعية وصادقة،

ويمكن ترجمتها كتابة، الحياة، الموت، الفشل والنجاح في كل واحدة من هذه العناصر مادة غنية تستطيع من خلالها الكتابة. إن أقصى ما أطمح إليه من الشعر هو الانتقال من كتابته على الورق أو نشره إلى ترجمته سلوكاً في الحياة اليومية، فبقدر ما يشبه نصك سلوكك في الحياة بقدر ما تكون صادقا وعفويا وشفافاً.

ـ كيف تقرأ الشعر اللبناني الذي سبقك، وكيف تجد الخارطة الثقافية اللبنانية اليوم؟

ـ لا شك أن ما أحدثه الشعراء اللبنانيون ومعهم بعض الشعراء العرب من تحديث في جوهر القصيدة واللغة ساهم برفعها والارتقاء بها إلى مطارح أكثر حضارة وتميزاً وتكثيفاً في المعنى والصور الشعرية وتخفيفاً في الكلام، فكان أن فتحوا مجالاً آخر ومكاناً آخر في التعامل مع اللغة بطريقة جديدة بدءا من سعيد عقل إلى يوسف الخال إلى شوقي أبي شقرا وبول شاوول وعباس بيضون وغيرهم وآخرين،

أما على ما تشهده الحالة الثقافية في لبنان عموماً وبيروت على صعيد خاص فهناك بعض الشعراء والمثقفين المفلسين يشكلون عصابة حتى وصلت وقاحة أحدهم أن يدعي بأنه صاحب طريقة ولديه مريدون يتبعونه أينما نزل وحيثما حطت قدماه، مجموعة بائسة أشخاص هذه العصابة يظنون أنهم ممسكون بزمام الأمور يطلقون الأحكام جزافاً.

ـ تنتمي قصائدك إلى لغة كأنها ترغب بقول الأشياء بأقل اقتصاد لغوي ممكن، هل هذه العملية الكتابية تشكل أسلوب شاعر ما؟

ـ هذا صحيح، فأنا أميل أكثر الأحيان إلى الاقتصاد في الكلام لصالح المعنى المكثف والجملة القصيرة، وبرأيي أن التكثيف في المعنى والإقلال من الكلام يلزمه براعة استثنائية في التعامل مع الجملة والقصيدة وعلى الشاعر أن يجد لنفسه تميزاً خاصاً عن الآخرين

وفي الحد الأدنى أن يبتكر إن لم نقل مدرسة شعرية جديدة فلتكن جملة تشبهه من دون التسلق على أسوار الجيران فكلما غرف الشاعر من لغته الشعرية الخاصة ومن خزنه الذاتي كلما كان متميزاً عن الآخرين بغض النظر عن أهمية أو رداءة ما يكتب.

ـ تفرد في المجموعة الكثير من أجواء الطفولة بمعنى هذه المفردات التي تشكل عالماً كأنه لا يرغب في الدخول إلى صراع الحياة الراهنة مع العلم أنك تكسب احتكاك هذا الكائن وصراعه هل في الأمر انحياز ما إلى ذلك؟

ـ إن الحياة التي أعيشها أو يعيشها أي كائن إنساني آخر ترتبط ارتباطاً مباشراً بماضيه وطفولته بشكل خاص فالإنسان هو كتلة من الإرهاصات التي تشكلت من ماضيه وحاضره وحتى من نظرته إلى المستقبل، بهذا المعنى أطل كثيراً على نافذة الطفولة من الحياة الراهنة التي أعيشها،

وربما يعود ذلك إلى حجم الهزائم والانكسارات التي تحيط بنا اليوم، فإذا ما نظرنا من حولنا إلى ما يحدث في العالم والعالم العربي خصوصاً من بغداد إلى فلسطين إلى دمشق وبيروت وحجم هذا المجهول الذي يحضر لنا فيكون الملاذ الوحيد هو العودة نحو الطفولة وتلك الأيام البريئة والصافية، وهذا لا يعني استسلاماً للأمر الواقع بل اشمئزاز من الواقع.

ـ ثمة ميل إلى كتابة قصائد تعتمد على السيرة الذاتية ببعض تفاصيلها اليومية هل الكتابة هي الأنا قبل أي شيء؟

ـ الأنا في الحياة وفي الكتابة بشكل خاص هي المصدر الأول، هي نقطة الانطلاق نحو الأشياء أو نحو اللا شيء أحياناً أول ما أبدأ في الكتابة هو (أنا الأنا) بالمعنى الخاص والمرتبط بالضرورة في العام. أميل كثيراً إلى كتابة السيرة وإنني الآن أحضر كتاب سيرة وللطفولة فيه عامل أساسي ومحوري والكتاب يتمحور عن نظرتي للمشهد العاشورائي.

دبي ـ سامي نيال