قيل في العراق: « تحزّم للواوي بحزام سبع»، والـ (واوي) يُقصد به ابن آوى، وشتّان ما بين الأسد (السبع) وبين ذلك الحيوان، ويُضرب هذا المثل لعدم الاستخفاف بالخصم مهما صغُر حجمه، أي لا تضع ضآلة الجسم في الحسبان، ففي كثير من الأحيان يتغلب العقل على الأجسام الضخمة ويهزمها.

لم تُعرف فيتنام كقوة كروية كبيرة ترعب الآخرين، لذا يرى الكثيرون إنها جسر معبّد يمكن العبور عليه بسهولة ويسر، غير أن هذا الأمر تغيَّر، وأصبح الفيتناميون يطالبون منتخبهم بنتائج جيدة، لذلك كان فرحهم عظيماً بفوز الإمارات على قطر الذي منح فريقهم بطاقة التأهل. كيف سيخوض «المنتخب المهاجر» مباراة اليوم؟ الإفراط في التفاؤل علَّة يجب الانتباه لها ومعالجتها، والأخبار الواردة من بعثة المنتخب العراقي تقول إن التفاؤل بلغ أعلى درجاته، وهذا الأمر خطير في عالم الكرة، فقد سقطت فرق كبيرة أمام فرق صغيرة بسبب هذا الإفراط.. نتمنى أن يكون أبناء الرافدين قد استفادوا من تجاربهم السابقة ومن تجارب غيرهم في هذا المجال.

أعرف تماماً أن كل لاعب من أسود الرافدين سيبذل كل ما في وسعه، وسيقدم جهداً استثنائياً ليس بحثاً عن عقدٍ مغرٍ في الأندية الغنية، بل لأمر أهم من هذا كثيراً.. كل لاعب عراقي في صفوف المنتخب يريد أن يصنع فرحاً لشعب يستحق الفرح.. كل واحد منكم يريد أن يجفف دمعة طفل فقد والده نتيجة انفجار سيارة مفخخة، ويريد أن يملأ مدن العراق بتجمعات الفرح، لا تجمعات تشييع الجثامين. يُدرك كل لاعب عراقي أن مهمته اليوم أبلغ من مهمة السياسيين في بلده، وأنه السفير المخلص الذي لا يقبل التفاوض على سمعة بلده.

كل العيون اليوم ستراقب «المنتخب المهاجر»، فمعظم لاعبي هذا التشكيل إن لم نقل كلهم يعيشون بعيداً عن دجلة والفرات. أقول ل(يونس محمود)، إن أحبتك في العراق (داخلاً وخارجاً) يضعون أيديهم على صدورهم كلما لامست يدك صدرك متحسسة الألم.. وطن بأكمله يتحسّس صدره.. صدرك.. وكلما فعلت ذلك تلمس الشعب صدر الوطن. كرة القدم لا تخضع للمنطق في بعض الأحيان، نتمنى ألا تتركوا لهذا الاستثناء أن يقول كلمته وافرضوا منطقكم. اليوم قرر الفقراء أن يتركوا أعمالهم مبكراً لكي يستعدوا لمتابعتكم وليهتفوا باسمكم.. اليوم لو حققتم الفوز سيتصالح المتخاصمون في القرية وينحرون الذبائح فرحاً بوطن ينتصر خارج الحدود. اليوم يا هوّار ويا يونس ونشأت وقصي وكرار ونور والحيدران وباسم ومهدي وأحمد وصالح ولؤي وهيثم وخلدون ونبيل وعلي وجاسم.. اليوم ارسموا وجه العراق الحقيقي.. وجه المحبة والسلام.. وجه الإبداع.. وجه الحضارة.. آشور وبابل.. اليوم ذكروا العالم بالجنائن المعلقة، بأور.. بالحدباء.. ذكروا العالم بكل الأشياء الجميلة.

يخشى العراقيون أن يقيموا الأفراح في زمن طغى فيه الفكر الأسود على كل شيء جميل، لكنهم لا يخشون لومة لائم لو فزتم.. سيرتدون أجمل الثياب وسيرقصون ويهزجون ويهتفون في شوارع المدن كافة. أعرف أنكم تتذكرون كل شيء لكن دعوني أذكركم بحكمة الشاعر: «لا تحقرنّ صغيراً أنت خاصمه تُدمي البعوضة مُقلة الأسدِ» نعم.. تعاملوا مع منافسكم التعامل المطلوب.. لا تستخفوا بتاريخه الكروي، فالأمور في كرة القدم تتغير وموازين القوى تتبدل. نعترف أن وسائل الفتنة سمّمت الأفكار وجعلت صورتكم لدى البعيدين غير صورتكم الحقيقية، ونحن واثقون أنكم تدركون هذه الحقيقة، لذا لا نخشى إن سألكم سائل وقال لأحدكم: «هل أنت شيعي أم سُنّي»؟ نعرف أن إجابة كل واحدٍ منكم ستكون «عراقي أنا». نعم عراقي أنت وإخوتك العرب فخورون بعراقيتك مبدعاً ومكافحاً ومقاتلاً.

حكاية خاصة لجمهور خاص

ذات مرة عاد الصيادون من البحر وعلى الساحل الغربي من شط العرب كانت استراحتهم.. كان المكان يعجّ بأنواع الطيور.. كانت تلعب مزهوة فرحة وهي تلتقط حبَّها قرب جداول الماء الجارية والبساتين العامرة. قام أحد الصيادين ووجه بندقيته صوب الطيور وكذلك فعل الآخرون.. فرّت الطيور خائفة مرعوبة وطارت بعيداً، لكنها تذكرت أن حاملي البنادق من أبناء الرافدين، فعادت وحطّت على أكتافهم وفوق فوهات بنادقهم، لأنها تعرف أن بنادق أبناء بلادنا محشوة بالسنابل والزهور ولم تحش بالرصاص.. أقول لجمهوركم.. جمهورنا.. احشوا بنادقكم بالسنابل وغيِّروا طريقة الفرح، فأنتم شعب الرياحين والزهور.. هنا يمكن لكرة القدم أن تنتصر وينتصر معها السلام في بلاد السلام.

أقول لكم..

أنتم أسود الرافدين ومنتخبكم حزب هويته العراق..

واليوم ننتظر البشرى.. دعونا ننشد معاً

منصورة يا بغداد

«لا تحقرن صغيراً أنت خاصمه.. تُدمي البعوضة مقلة الأسدِ»

جاسب عبد المجيد