« مشاهد داخلية» هو عنوان معرضها الجديد بقاعة سفرخان بمنطقة الزمالك بالقاهرة، حيث استطاعت أن تعبر عن دواخلها وأحاسيسها المكنونة بروحها الإبداعية، والفنانة المبدعة نازلي مدكور تمتلك تجربة واسعة وطويلة في الفن التشكيلي وعبرت عن العديد من الاتجاهات الفنية خلال مسيرتها.

فقد تنقلت من المدرسة الواقعية إلى الرومانسية ثم إلى التجريدية، لكنها اختارت المدرسة التجريدية ولأنها لم تدرس الفن دراسة أكاديمية فقد وضعت الطبيعة أمام عينيها باعتبارها المعلم الأول بالنسبة لها وركزت عليها واستطاعت أن تشكل منها تكوينات ومفاهيم جديدة.. وتقول «ان الطبيعة معين لا ينضب».

وهى من مواليد عام 1949 بمحافظة القاهرة وحاصلة على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد عام 1971 ودبلوم إدارة من الجامعة الأميركية عام 1978 وماجستير اقتصاد سياسي من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1981 وهى عضو لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة.

وشاركت في العديد من المؤتمرات واللقاءات الخاصة بإبداع المرأة العربية منها مؤتمر المرأة بالصين ـ عام 1995 والسيمبوزيوم الدولي الثاني بتركيا ـ عام 1995 وملتقى الإبداع الثقافي والفني بين مصر والمغرب ـ عام 1996 ومهرجان النساء المبدعات وندوة بينالى القاهرة الدولي كما ان لديها العديد من المساهمات العربية والغربية، التي لا يتسع هذا الحوار لذكرها، وحول الجديد الذي قدمته في معرضها الجديد كان لها هذا اللقاء:

* الزائر للمعرض يشعر بأنه يرى نوعين من المناظر الطبيعية والوجوه المبهمة فلماذا؟

ـ بالفعل المعرض ينقسم إلى هذه الأقسام، منها قسم يعالج المنظر الطبيعي بشكل تجريدي وآخر يعالج وجوه النساء ولكن سواء كان المنظر الطبيعي أو المرأة لا يرجع ذلك لمكان أو امرأة معينة أو مكان محدد ولكنها مجرد أشكال نابعة من داخلي وعبارة عن مشاعر تجاه أمكنة مختلفة ومتنوعة نابعة من الداخل فهي تراكيب خاصة بي.

أما فيما يتعلق بأشكال النساء فهي وجوه نابعة من مشاعري تعبر عن حال وجه المرأة المصرية أثناء الرضا والغضب والقبول، ولهذا قمت بعرض حوالي ثلاثين لوحة منفذة بخامات مختلفة مختلطة أكريلك.. عجائن.. فحم.. باستيل، وبالرغم من أن هذه الأعمال تعتمد في موضوعاتها على الطبيعة المصرية والإنسان إلا أنها رؤى داخلية تستقى رموزها من الماضي والحاضر بشكل إيحائي ودلالي أكثر منه مباشر.

حيث انقسام هذا المعرض إلى جزأين، «جزء منظر طبيعي» تحاول عمل صياغات خاصة بها، نابعة من الطبيعة المصرية لها توجه حداثي مقترح إنساني للطبيعة مغموس في الطبيعة وفي المعرفة سواء كانت ثقافة.. تربية بيئة محيطة، و«جزء إنسان» بالتحديد في عدد بسيط من اللوحات التأملية على وضع الإنسان في الكون يمكن الإحساس الذي يصل منها، والمقصود ان الإنسان برغم من وجوده مع آخرين يعيش نوعا من الوحدة حتى مع وجوده وسط الزحمة من البشر.

* حالة الظل والنور واضحة كثيرا في لوحاتك ورغم ذلك كان اهتمامك بالألوان الصارخة وأحيانا الهادئة.. فما تعليقك على ذلك؟

ـ أي فنان ينشغل كثيرا بموضوعات متعددة منها الظل والنور والتجريد والتشخيص، وأعتقد أنها عناصر أساسية يبدع من خلالها، بينما ألوان هذا المعرض هي رسالة هادئة ونفسية للمتلقي، فيوجد ألوان تعطي حالة بهجة وحركة وبشاشة وفي رأيي أن اللون مرتبط بالعمل وبالرسالة الفنية لهذا العمل.

* الإنسان والطبيعة هما تيمة أساسية في موضوعات أعمالك الفنية.. فلماذا؟

ـ الإنسان والطبيعة هما المحور الرئيسي لموضوعات معظم أعمالي ولوحاتي وقد تناولت، في أعمال سابقة، الطبيعة من الخارج بتفاصيلها ومفرداتها ومنذ ما يقرب من خمس سنوات بدأت أتناول الطبيعة من الداخل أي بمعنى آخر استخدم عناصر وحالة الطبيعة بصورة تعكس حالة الإنسان الداخلية، فأرسم بقايا أشجار وتلال وصخور وبحيرات وغيرها من عناصر الطبيعة بصورة غير مكتملة وأترك للمتلقي أو المشاهد أن يكمل العمل حسب مخزونه الشعوري وحالته الداخلية.

* إلى أي حد تكونت تجربتك الفنية التشكيلية من خلال تأثرك الواضح بالطبيعة؟ وهذا واضح من خلال حالة التأمل التي تتمتع بها مراحل هذه التجربة.

ـ طوال فترة لا تقل عن عشرين عاماً تناولت أعمالي المنظر الطبيعي المصري. فالصحراء والنخيل والبيوت الطينية كانت مصدر إلهامي وموضوع معظم لوحاتي. ففي المرحلة الأولى التي امتدت لأكثر من عشر سنوات غلبت الصفة التأملية على لوحاتي التي تركزت حول إعادة تركيب وتكوين المنظر الطبيعي وكان هدفي هو التعرف على الطبيعة المصرية والتعلم منها من خلال محاولة الكشف عن القيم الجمالية الدفينة فيها.

ثم طرح تراكيب من الألوان والملامس والتكونات التي تحقق التواصل مع المزاج المصري. وقد تميزت أعمال تلك الحقبة بالسكينة والغنائية. ثم تلت هذه المرحلة فترة انتقالية قصيرة امتدت ما بين ثلاث وأربع سنوات كانت نوعاً من رد الفعل إزاء الاتجاه السلفي الذي استشعرت أنه يهدد وضع المرأة والثقافة والهوية القومية ذاتها. ومن هنا اتسمت هذه الفترة بمسحة تعبيرية وبغلبة المضمون الاجتماعي.

* متلقي أعمالك الفنية يستشعر بحالة من الغوص الداخلي في أعماق الإنسان والأرض.. فحدثينا عن ذلك.

ـ تلي المراحل التي تحدثت عنها مرحلة أخرى وهى غوص في رحلة داخلية إلى أعماق الأرض وأعماق الإنسان في آن. تجمع بين حساسية محلية وجماليات عصرية في إعادة صياغة الشكل والمساحة والزمان. وهناك سعي حثيث للبحث عن منظومات جمالية بل انشغال معرفي بالتراكيب التي يقوم فيها الشكل بتوليد المعنى.

والأعمال في هذه الفترة تخلط بين القوى والتضاريس الخاصة بباطن الأرض وبين نبض الإنسان وخلجاته. ومن ناحية أخرى كانت استمرارية للسمات الخاصة بأعمالي السابقة والتي تتمثل في دمج العناصر وانشطار مركز اللوحة وتفكيك المنظور وتطوير إمكانيات الخامات المستخدمة لتحقيق توحد والتحام بين الخامة ومدلول اللوحة.

* كثير من أعمالك تتسم بحالة من تجاوز سطح اللوحة، فما المقصود منها؟

ـ هذه الأعمال هي نتاج مرحلة فنية تدعو إلى تجاوز سطح اللوحة وتخطي وجودها المادي للتوغل في عالم من الرموز يزخر بقلق زماننا وآماله، كما تطرح أنساقاً من العلاقات مع العالم ومع التاريخ ومع الطاقات المختلفة المحيطة بنا.

كما تتحاور مع التاريخ بوصفه كنزاً ثرياً من الأشكال والأساليب والخامات والإجراءات ومنبعاً هائلاً للنشاط الإبداعي، وهى تقيم علاقات حوارية توافقية أو صراعية مع أنماط وأساليب ومرجعيات جمالية تنتمي إلى تراث الحداثة أو إلى حاضرها.

علاقة تقليدية

* معالجاتك الخاصة للون والخط وضعت تصورك الخاص للضوء والتكوين.. فكيف؟

ـ من الناحية التقنية فقد توغلت في معالجات خاصة بالخط واللون والضوء والتكوين، وذلك إلى جانب إثراء مفرداتي التشكيلية بهدف طرح تصور خاص للزمان والمكان، ففي هذه الأعمال يظهر الخط في صياغات مختلفة بين مرسوم وغائر وبارز وهو عماد في بناء اللوحة أيضاً.

كما قمت بتنويع تركيباتي اللونية مع الإبقاء على مزاج لوني خاص عن طريق سيطرة مساحات كبيرة من الألوان الترابية تتخللها ومضات من الألوان المشرقة. أما بالنسبة للضوء فهناك استمرارية في تقصي مصادره الداخلية للحصول على تضاد أكبر غير معتمد بالضرورة على العلاقة التقليدية بين الظل والنور.

* ما تصورك عن بناء العمل الفني؟

ـ إن بناء العمل الفني في تصوري هو عملية بوليفونية تتداخل فيها مؤثرات متعددة لا تخضع لنسق واحد في أي من مراحله المتوالية. ففي كل مرحلة من مراحل بناء العمل يكون أمام الفنان بدائل متعددة عليه أن يختار فيما بينها، كما أن عليه أيضاً اتخاذ قرارات يصعب توقعها في المرحلة السابقة، ولا تعرف مسبقاً تبعاتها على المراحل التالية، وذلك بالرغم من أنها قد تكون أساسية وحاسمة على الناتج النهائي للعمل الفني.

القاهرة ـ داليا فاروق