مختصر مفيد، مثلٌ سائر، وقولٌ طالما ردَدهُ ويردده الناس في أحاديثهم، وكرره ويكرره الكتاب في ما يكتبون، وهو منهج في القول وفي التفكير، حيث يعبر الإنسان عن أفكاره بمفردات قليلة، قولاً وكتابةً، ويقترن الاختصار بالوضوح المفيد والابتعاد عن الأطناب والغموض والتعقيد.

ويمكننا القولُ، إن الأمثال في جميع اللغات والثقافات الإنسانية في كل عصورها، من قبيل المختصر المفيد، أو هي محاولة لان تكون كذلك، لكن ليس كل مختصر مفيد من القول، هو من قبيل الأمثال. خطرت في الذهن، هذه الخواطر وغيرها، لحظة انتهيت من قراءة مقالة (عمر الخيام.. شعره العربي جمع وتحقيق ودراسة) للدكتور يوسف بكار، في العدد السادس والخمسين، من مجلة (آفاق الثقافة والتراث) التي تصدر عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث.

وإذا كان الدكتور بكار، قد حاول في مقالته جمع ما تيسر له من شعر الخيام المكتوب بالعربية، وتحقيقه ودراسته، فكان له ما أراد، غير انه في عدد قليل من الصفحات، تناول أكثر من جانب في حياة الحكيم ونشاطه العقلي ونتاجه الفكري، فأضاء ما كان قد عتمت عليه الرباعيات الخيامية بشهرتها الطاغية، وكانت محاولة لتحرير الخيام من سطوة شهرتها.

من المفارقات التاريخية أن يكون الخيام قد عرف في حياته ومن ثم في المرحلة التي تلتها بصفات لم يكن الشاعر من بينها، فهو الطبيب والفيلسوف والمنجم واللغوي والموسيقي وعالم الرياضيات، حتى اذا توالت القرون، غابت كل تلك الصفات،او كادت تغيب، وغاب معها ما أنتج الرجل من صنوف المعرفة التي عرف بها في حياته، وترسخت صورة الشاعر، بعد أن ذاعت الرباعيات، وان فهمت في كثير من الأحيان على غير حقيقتها.

وليس الخيام الذي اختصر في الرباعيات، هو خيام عصره، وان الخياميين المعاصرين الكبار وسواهم ممن تأثر بهم، كادوا ان يتفقوا على أن خيام الرباعيات ظاهرة جديدة، يحيلها البعض إلى ادوارد فيتز جيرالد، أشهر من ترجم الرباعيات من الفارسية إلى الانكليزية في العام 1859 .

وهذه الترجمة كانت وراء تغييب خيام عصره، وأحلت مكانه خيام الرباعيات، رغم أن ترجمات أخرى كانت قد سبقتها الى الانكليزية والألمانية والفرنسية، غير أنها لم تحقق الانتشار الذي حققته ترجمة فيتز جيرالد التي جاءت معظم الترجمات إلى اللغات الحية عنها.

غير أن هذه الترجمات لم تكن دقيقة، في تحديد الرباعيات الخيامية، ذلك أن عدد الرباعيات يصل عند البعض إلى ما يقرب من ألفي رباعية أو دون ذلك بقليل، مع ان المحققين المتشددين يذهبون إلى أن العدد الحقيقي لرباعيات الخيام، لا يتجاوز مئتي رباعية، ويبالغ البعض فيقال، إنها عشر رباعيات فقط.

أن هذا الفرق الشاسع في عدد الرباعيات الخيامية، يؤكد الرأي القائل، بأن الكثير من رباعيات فريد العطار والشيرازيين سعدي وحافظ والفردوسي وجلال الدين الرومي وغيرهم نسبت للخيام، هذا من جهة ومن جهة ثانية، فقد غيب العرفاني وفرض الابيقوري.

أن أول ملاحظة لفتت نظري بشان ما أحاط بالرباعيات الخيامية من التباس عبر عنها الشاعر أحمد الصافي النجفي، حين رفض إعادة طباعة ترجمته للرباعيات، والتي يعدها كثير من الباحثين، الأكثر دقةً بين الترجمات الأخرى، معللاً رفضهُ بسوء فهم ما قاله الخيام فيها، حتى صار السكارى يرددونها في الحانات.

وأنها لمفارقة ان تكون الترجمة الأولى لرباعيات الخيام الى العربية، عن اللغة الانجليزية، تلك التي قام بها الشاعر وديع البستاني في العام 1912 ، رغم أن الخيام من المضلعين بالعربية وكتب بها عدداً من مؤلفاته ، بالإضافة إلى ما كتب من شعر عربي، ثم جاءت الترجمات عن الفارسية وكانت الأكثر أهمية.

ومنها ترجمات الصافي النجفي وعبد الحق فاضل وإبراهيم العريض (شعراً) وترجمة أحمد حامد الصراف (نثرا) على ان ترجمة أحمد رامي، مهما قيل عنها وما اخذ عليها، ظلت هي الأكثر انتشاراً والفضل في هذا الانتشار يعود لام كلثوم والسنباطي.

ليس دراسة الدكتور بكار وحدها التي حاولت تحرير الخيام من سطوة الرباعيات وإعادته إلى حقيقته التاريخية فقد سبقتها دراسات أخرى، منها كتابات صادق هدايت وديورانت وعبد الحق فاضل وصقر ابو فخر وسواهم.

يقول الدكتور يوسف بكار: «اللافت أنه- الخيام- لم يذكر شاعراً في المصادر القديمة جداً، ربما لان معاصريه عدوا شعره لاشيء بإزاء فضائله الأخرى، وانه هو نفسه لم يشر في أي من آثاره الى انه شاعرٌ او يورد شيئاً من رباعياته الفارسية ولا من شعره العربي، حتى تلميذه ومعاصره نظامي عروضي سمر قندي صاحب (المقالات الأربع) وهو أقدم مصدر ذكر الخيام، لم يتحدث عنه شاعراً»

وفي نص ملتبسٍ، يقول اليوت كراوشاي وليامز، في كتابه (رحله عبر بلاد فارس 1903) : في هذه البلاد عاش عمر، عمر المسلم ، عمر الخيام، أو (الحارس الأسود) حسب تعبير الشاعر توماس كارلايل حيث لاتزال قدسيته تمثل عقيدة هذه الأيام.

حميد سعيد