كتاب الشاعر والروائي سليم بركات الأخير بعنوانه التصويري الرمزي «السلالم الرملية» عمل يلفت النظر جرياً على ما ألفه قراء بركات في سائر أعماله وفيه أجواء شعرية ساحرة تتشكل من خيوط وصور من الأمس البعيد والحاضر ومن الشرق والغرب ويتداخل فيها الأسطوري والديني والفكري والسياسي الذي قد يطل بأقنعة فنية تقول ولا تقول.

إلا أن كل هذا قد لا يمنع قارئا من الشعور بشيء من الضيق بسبب ربما بدا مستغربا.. فالسحر الفني نفسه الذي يشكل عنصر إمتاع ونجاح لعمل فني ما قد يتحول ـ إذا زاد ـ إلى نقيضه. الأمر هنا قد يشبه زيادة الحلاوة في الشيء إلى درجة تجعل النفس تعاف هذا الطعم أو تطلب راحة منه لفترة.

صدر الكتاب عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» وجاء في 122 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف من أعمال الفنان البولندي رافال اولبنسكي. وقد وصف عمل بركات بأنه رواية لكنه على صحة ذلك ربما بدا اقرب إلى عمل شعري في شكل قصصي. يجد القارئ نفسه أحياناً كثيرة في عالمين مختلفين متوازيين.. واحد شرقي، عناوين فصوله عربية، وآخر غربي وردت عناوينه ـ وهي غالبا أسماء محطات قطارات حديدية ـ بحروف أجنبية بلغة السويد حيث كتب بركات روايته.

إنهما عالمان متوازيان في حين ومتداخلان في حين آخر. وفي غالب مجالات هذين العالمين ـ خاصة الشرقي منهما ـ أجواء من التاريخ والأسطورة وسمات إيمانية وسعي للبحث عن إيمان أحياناً أو إلى ترسيخ إيمان ما. ويجد القارئ نفسه أمام ما يذكره برحلة المجوس الثلاثة مع النجم إلى حيث سيولد المسيح.. وهم في عمل بركات «الستة الانفار». انهم هنا يبحثون عن المعرفة.

ومما نقرؤه عنهم «كان الستة الانفار وجمالهم الستة ذوات السنامين باكورة قوافل الربيع المتجهة إلى دساكر إقليم مودابا بورك وراء صحراء لوكهين. حملوا معهم اجربة من المسك والكافور والعنبر وحقّين احكم سدهما يحويان حفنة من شذور الذهب نقية ملتمسين ان يقايضوا بها بذور المعاني المدونة حروفا ورسوما في رقاع العارفين هناك فيستنسخونها».

أترى هو توق إلى الخلاص في الحالين وسعي إليه.. ترى هذا ما يبحث عنه أبناء بعض عالمنا العربي ـ وهم في بلدانهم ـ كما يبحثون عنه في مهاجرهم ومغترباتهم.. في الفصل الأول نحن في «سودرمالم» وهي محطة قطار حيث ينتظر كثيرون شبيه «جودو» في انه الذي يأتي ولا يأتي.

نقرأ ما يستهل به بركات عمله، حيث يقول بلغته الشعرية التصويرية «الساحرة» دون شك في التقاطها المشاعر والأفكار وحالات الحزن والضياع واليأس «أأنت تبحثين عني.. سأل الرجل الأنيق القلق العينين فتاة من نسل الشرق الراقد في جرار المغول.

بوغتت الفتاة الشاحبة قليلا. رفعت وجهها المستدير إليه تتأمله بعينيها المختبئتين في صدف أجفانها.. أجفان من يتقي الريح الخفية فيطبقها «لا ابحث عنك» ردّت باعتذار لا معنى له فحاد الرجل الأنيق منها على عجل. اعترض شخصا آخر: «أأنت تبحث عني». فتجاهله الشخص الآخر.

عشرة انفار أو أكثر تجاهلوا سؤال الرجل الأنيق. حادوا عنه وأكملوا عبورهم إلى منابت الحظوظ في عالم الأعالي خارج نفق سودرمالم». ونمضي مع «ابريم» الرجل الأنيق في بحثه.. وبحثه عمن يبحث عنه. أليس هناك اعتقاد عند البعض بان مخلصهم يبحث عنهم كما يبحثون هم عنه.

نقرأ في نهاية الفصل: «قادمون جدد انحدروا على الأدراج الآلية من جهتي النفق... اكتأب ابريم وهو يصغي إلى الثرثرات في الإعلان الضوئي عن القطار المقبل. تكلم بلا اكتراث لمن جاؤوه منتظرين في سكون هناك من يبحث عني. هناك من سيخبرني شيئا عن النبي الجديد القادم إلى عشاء أبي (يألوه)».

في ختام عمل بركات الجميل نقرأ ما يشبه ما سعى الشعراء الرمزيون إلى تحقيقه أي أن يتحول كلامهم إلى ما يشبه الموسيقى من حيث تركها للسامع ـ وللقارئ هنا ـ أن تتشكل لديه «موحياته» الخاصة وهي هنا ليست فردية فحسب بل يبدو انها تتناول جماعات وشعوبا. التسعة هنا أكثر من الستة وأقوى.

«نزف العضل حمضا في جسديّ باكالبا وبالبور. صفرت عظامهما صفير الذعر. جرّا نفسيهما متضرعين إلى «الأنفار التسعة» لا تسلبونا متاعنا هذا بحق المغيب عليكم». «تتبعا الجمال التسعة. دحرجا خطوات شظايا على الرمل والحجر معتصرين «أعيدوا إلينا متاعنا أو اقتلونا» قالا.

أوقف الرجل الطويل جمله. استدار إليهما «لا نقتل من لم يتدبروا لأنفسهم نبيا بعد».وختم بركات بالقول «اختبلت النظم الصغيرة في صحراء لوكهين وأغمي على النظم الكبيرة».