على خشبة قاعة الشرف في قصر البابوات في مدينة أفينيون يخرج الكاتب والمخرج الفرنسي فالير نوفارينا مسرحيته الأخيرة العمل المجهول التي يتابع فيها الخط الدرامي الذي يميز معظم مسرحياته منذ بداية السنوات السبعين في القرن العشرين حيث أنه ينتمي لجيل الكتاب الذين تأثروا بثورة أيار عام 1986 في فرنسا.
قبل الولوج في العرض نقرأ العلامات الأولى للسينوغرافيا والتي تظهر ثلاثة أهرامات على يمين ويسار الخشبة وفي خلفيتها حيث يخرج منها بعض الممثلين أثناء العرض. أضف إلى ذلك إلى وجود بساط أحمر يربط مداخل هذه الأهرامات الثلاثة والتي يتنقل عليها الممثلون في فضاء درامي رحب يحده جدار قصر البابوات الذي يضاء بشكل كامل خصوصا النوافذ التي يظهر منها بعض الممثلين من وقت لآخر.
يقف الممثلون على طرف الخشبة مقابل الجمهور ويبدأون باستعراض ما يرونه أمامهم فيقوم كل واحد منهم بذكر أشياء يعرفها عن ظهر قلب دون أن يلتفت إلى الممثل الآخر. وهكذا فإن ما يميز العرض هو طريقة إلقاء النص الذي يلقيه الممثلون ببراعة فمسرح فالير نوفارينا يعتمد على الكلام الموجه الذي لا ينتهي. هذا الأمر نلاحظه في معظم مسرحياته مثل «حديقة المعرفة» و«الخشبة» و«خطاب الحيوانات».
تتميز كتابة فالير نوفارينا المسرحية بالحوارات والمونولوجات الطويلة والتي يعطي فيها الأهمية الأولى للكلام المتحرر من كل قواعد الكتابة المسرحية الكلاسيكية وبذلك فإن غالبية النقاد الفرنسيين يرون أن هذا الكاتب لا يمكن تصنيف مسرحه ضمن مدرسة مسرحية أو شكل درامي معين.
يتخلل العرض مقاطع مونولوجية قصيرة يتابع فيها الممثلون كلامهم عن الحياة والتاريخ وأهم ما يميز كلامها تلك الجمل المتناسلة التي تنفتح الواحدة على الأخرى دون ترابط واضح فيما بينها فالمسرح بالنسبة للكاتب نوفارينا هو عبارة عن كلام يسري ضمن جمل طويلة يلقيها الممثل على مسامع الجمهور وهذا الكلام قد لا يتجاوب مع بعضه البعض في كافة الحالات.
في هذا العرض يدعونا الكاتب إلى رحلة طويلة بين مجاهل اللغة التي يلفظها الممثلون على مدار ساعتين ونصف أمام الجمهور الذي يظل مركزا طيلة العرض. وهنا يتساءل المشاهد ما هي ماهية ذلك العرض؟ هل تنتمي المسرحية للعروض الراقصة أم لمسرح الميوزيك هول؟
والجواب هو إن جميع عناصر الفن المسرحي تبدو مجتمعة في آن واحد في هذه المسرحية.
باريس ـ منتجب صقر
