تتعرض الثقافة الشعبية بأشكالها المختلفة إلى الإنقراض بمرور الزمن إذا لم تدون أو توثق وبأساليب علمية متطورة لتظل جاهزة لكل من يطلبها أو لظروف قد تحدث تصبح الحاجة للعودة إلى التراث أمرا ضروريا.
جميعنا نستهين أحياناً بهذه الثقافة، أو نعارضها، أو ربما تتعارض مع ثقافة جديدة تلقيناها وفرضها التطور والانفتاح وعوالم التكنولوجيا الحديثة، وبين ذاك الإهمال وهذا التجاهل ضاع تراثنا الغني وأخشى أن نظل في المستقبل بلا جذور مثل ورقة يابسة في مهب الريح.
لقد أحسست خلال الأيام القليلة الماضية للحاجة إلى الحكايات والخراريف والمعلومات والأمثال، والألعاب والألغاز وغيرها من الثقافة الشعبية الشفاهية التي كانت بمثابة كنز لنا نحن الجيل المخضرم أيام كنا صغاراُ وصبياناً وفتياناً، بل وشباباً حتى مرحلة الكهولة الراهنة.
هذا الإحساس جاءني بعد ما قرأت عن الحيوانات الهجينة التي تثير الذعر عند أهالي البصرة في جنوب العراق، وكأن أهل العراق لا ينقصهم من المصائب والكوارث إلا أن تظهر لهم حيوانات مفترسة لتساعد على قتل المزيد من البشر، وكأن الكوارث في العراق غير كافية لإحداث الدمار.
وقد قرأت ما نقلته وكالات الأنباء عن هذا الحيوان الذي ظهر في البصرة والتعليقات التي قيلت حول هذه الظاهرة، ووصفه، والحكايات التي تروى عنه وعن بطشه بالإنسان والحيوان معاً.
ومن خلال الوصف المتعدد أدركت كم أن أهل البصرة ابتعدوا عن تراثهم الغني الذي لا يترك شاردة أو واردة إلا وغطاها بدقة متناهية.
الحيوان الذي ظهر ليس حديثاً ولا هجيناً، ولم يجلبه الأمريكان ولا الإنجليز لأنهم أصلاً على غير معرفة به وبأصله وشكله، وبعض العارفين أفتوا بذلك إلا أنهم أخطؤوا حينما قالوا إن بداية ظهوره عام 1986. والواقع أنه موجود في البصرة من مئات السنين يظهر بين الحين والآخر، تبعاً للظروف المناخية والبيئية، واسمه الكرطة وكانت أمهاتنا تخيفنا في الليل حينما لا نستسلم للنوم. وأذكر أن أمي رحمها الله كانت تخيفني بالكرطة، حينما أعاندها ليلاً لرغبتي في السهر أو اللعب معها.
والكرطة كحيوان سيئ أنعكس في حكاياتنا الشعبية كما انعكس في شعرنا الشعبي، وهنا أذكر أغنية يغنيها الفنان فؤاد سالم من أوبريت بيادر خير، وهي مشهورة جداً مطلعها :
لا لاله لولوّه.. لولوّه.. لولوّه
خلخالي صاح ودوّه
لا لاله لوليّ لوليّ لوليّ..
ترجيتي تضوّي عليّ
وفي مقطع آخر من الأغنية يذكر الشاعر اسم الكرطة واضحاً..
باعوني بحفنة حنطة
ما عدهم أهلي مروّه
كتلوني كتل الكرطة
وانطوني الشايب كوّة
لو كان الجيل الجديد من أهالي البصرة قد راجع بعضاً من التراث الشعبي، وأغاني وحكايات الجدة لما عاشوا في هذا القلق، ولما انتشرت كل هذه الإشاعات والمقولات والمبالغات، ولقالت الجدة إن الكرطة موجودة من مئات السنين.. وسنسمع حكايات عنها لا تختلف عن حكايات ألف ليلة وليلة.
لذا لكل من يهمه الأمر أن أسرعوا وحافظوا على ما تبقى من تراث شفاهي غير مدون، دونوه، ووثقوه بالصورة والصوت، وعلموه للأجيال المتعاقبة، حتى لا يخاف الناس من خضرة أم الليف، ولا من أم الدويس.
