لأول مرة على امتداد قرنين لا يوجد على الساحة البريطانية شاعر أو مؤلف أو روائي بارز واحد مستعد لتناول ومخاطبة أسس أسلوب الحياة الغربية. قد يكون هناك استثناء متمثل في شخص هارولد بينتر، الذي قرر بشكل ينم عن حكمة كبيرة أن الفرد أفضل له أن يكون اشتراكيا يزدري الاشتراكيين من ألا يكون اشتراكيا على الإطلاق.
لقد كان منح لقب فارس للكاتب سلمان رشدي بمثابة جائزة لرجل انتقل من كونه ناقدا شرسا للغرب إلى شخص أسرّته بشدة مغامرات الغرب العسكرية في كل من أفغانستان والعراق. أما دافيد هير، فقد انحنى أمام عبارات الإشادات والمدح التي تلقاها من قصر باكنجهام منذ سنوات وتحول من شخصية راديكالية إلى شخصية تدعو إلى الإصلاح. أما مارتن أميس فقد كتب عن الحاجة إلى منع المسلمين من السفر وتضييق الخناق على القادمين من الشرق الأوسط أو باكستان. وأشار أيضا إلى أنه يمكن اللجوء إلى خيار الترحيل في مرحلة لاحقة. الموقف الآن فريد من نوعه ويستحق المناقشة. فعندما ظهرت بريطانيا كدولة رأسمالية صناعية، كان لديها شيلي الذي كان يتبنى قضية الفقراء وبليك الذي كان يحلم بطوباوية شيوعية وبايرون الذي كان يقدح ويهاجم فساد الطبقة الحاكمة. وعُرف عن الشاعر الفيكتوري العظيم أرثر هيو تبنيه غير المحدود للثوريين والقضايا الثورية في 1848.
وجاء أحد أعظم أصوات العصر الفيكتوري البريطاني وهو توماس كارليل ليهاجم النظام الاجتماعي الذي كان لا يتجمع فيه الناس إلا حول الحافز المادي.
وكان جون راسكن الوريث الأعظم للمدرسة النقدية للرأسمالية. وعلى الرغم من انه لم يكن مبدعا لا هو ولا كارليل إلا أنهما قد أثرا في أحد أعظم وأكبر الشعراء الاشتراكيين الإنجليز، وهو وليام موريس.
وقد سيطر على العقود الأولى للقرن العشرين في بريطانيا كُتّاب اشتراكيون من أمثال إتش جي ويلز وجورج برنارد شو. وعندما تكتب فرجينيا عن الفنون الثلاثة للسيطرة على الآخرين، وهي فن الحكم والقتل والاستحواذ على الأراضي والمال، فإنها تضع نفسها في مكانة راديكالية تميزها عن تقريباً كل كبار الروائيين الإنجليز الآخرين.
في دولة الرفاهية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كان الشاعر فيليب لاركن وهو الشاعر الأعظم ولكن بشكل غير رسمي لتلك الحقبة - كان عنصرياً ودعا إلى عقاب مشدد ضد الذين يقومون بعمليات إضراب. وجاءت حقبتا الستينات والخمسينات اللتان كانتا من أكثر فترات القرن إثارة وزخماً على المستوى السياسي، من دون إفراز أي شاعر أو كاتب بالهامة الراديكالية لبريشت أو سارتر. وبحثت إيريس ميردوخ عن لعب ذلك الدور ولكنها اتبعت منهجاً انطوائياً ومالت نحو اليمين. ولم تختلف عنها دوريس ليسينج كثيراً.
ومن ثم تُرك الأمر للمهاجرين من أمثال نايبول وسيبولد وستوبارد كي يكتبوا بعضاً من أكثر الأعمال الأدبية إبداعاً في تاريخنا تماماً كما فعل الأيرلنديون من قبل. غير أن أعمال المهاجرين، كما تشير أعمال نايبول وتوم ستوبارد، غالباً ما تكون مهتمة بتبني وتناول موروثات وتقاليد وأعراف المكان الآمن الذي نزحوا إليه ووجدوه ملاذا آمنا لهم أكثر من كونها أعمالا نقدية تتحدى وتخاطب سلبيات هذا المكان. الأمر نفسه ينطبق على جوزيف كونراد وهنري جيمس وتي إس إليوت.
أما وايلد فد كان ينتقد ويتبنى أعراف البلد في آن واحد. لقد مات الشاعر الشيوعي هيو ماكديارميد في الليلة التي جاءت إلينا فيها تاتشر بنظريتها ومنهاجها. ولكن الآن وبعد أن أصبح مُتيما بسياسات البنتاغون فإنه أصبح لزاما علينا البحث عن ناقد أكثر جدية.
معظم الكتاب البريطانيين يرحبون بالمهاجرين ويكرهون توني بلير ويعارضون الحرب على العراق. ولكن لا يوجد شاعر كبير واحد أو حتى روائي مستعد لأن يتعدى حدود هذه القضايا لينظر إلى نظرية الرأسمالية العالمية التي تقف وراءها.
بدلا من ذلك، هناك افتراض بأن ثمة علاقة طبيعية بين الأدب والليبرالية اليسارية. غير أن نظرة واحدة على الأسماء الكبيرة اللامعة في تاريخ الأدب الإنجليزي كافية لأن تدحض هذا النوع من التحامل.
ترجمة: حاتم حسين ــ عن «الغارديان» اللندنية

