تكمن سلطة المثقف في قدرته على الإسهام الفعال في الثقافة العامة، والتفاعل الخصب مع المجتمع، فالثقافة ليست ميزة تجعلنا نغتر ونتطاول على الآخرين، بل هي إدراك مقرون بالتواضع والتثمين المستمر لجهود المجتمع وإسهامات الناس، وقد تعلمنا من التاريخ أن كبار القامات الفكرية والفنية هم أكثر الناس تواضعاً واستماعاً، واقلهم حديثاً وتفاخراً، فهل يفعل الجيل الصاعد ما فعله الآباء الكبار أم أنهم سيعيشون في أوهام لا قيمة لها؟.

بعض الذين ينتمون إلى قطاع الثقافة يحاولون بناء جسور وهمية بينهم والحياة، بل يصل الأمر بهم إلى حد التكبر على المجتمع العام وكأنهم كائنات سقطت من المريخ، وقد رأيت أكثر من مرة بعض هؤلاء النافرين الشاطحين ممن يتطاولون في أقوالهم، ويرمون الكلام جزافاً، ويتباهون ببعض ما لديهم.

إن مثل هذا السلوك ينم عن خواء ومراهقة فكرية، فمن لم يسبح في البحار الكبيرة يعتقد أن سباحته على الساحل تجعله مؤهلاً لأن يدخل في عداد الكبار، ومن لم يعرف ما لدى الآخر يصعب عليه أن يعرف نفسه، فالنرجسية ليست مرضاً بذاتها إذا كانت مقرونة بالعمل والاعتداد بالنفس واحترام الآخرين، لكنها تتحول إلى داء مُدمّر عندما تستغرق الإنسان وتجعله ينظر للآخرين من علياء أوهامه وأحلامه.

كثير من المبدعين في مجالات الشعر والفنون التشكيلية والموسيقى يقتلون ملكاتهم بالغرور، فالشاعر الذي يكتب بلغة عصرية ينسى أن عليه معرفة وقراءة ما كان لدى الأوائل، والفنان المتتبع للمدارس الحديثة لا يستغني بحال من الأحوال عن مراجعة تاريخ الفن العالمي ومعرفة أسباب ومقدمات هذا التطور والتحديث.

لا أريد هنا أن أقف على أسماء ومسميات أزعم أن القارئ الكريم يعرف بعضها، ولكن الهدف من هذا المقال الإشارة إلى بعض أنواع الداء الثقافي الذي نراه في مجتمعنا، وهذا لا يقصر على الإبداع فقط، بل النقاد، فمنهم من يمدح دون حساب، ومنهم من يذم دون حساب، وقليل منهم يأخذ موقفاً وسطياً معتدلاً وموضوعياً، وقد حضرت قبل أيام منتدى القصة القصيرة في دول مجلس التعاون، ولفت نظري آراء بعض النقاد الحادة والتي لم تفرق بين التشجيع الواجب والإشارة للخلل، وتعاملت مع بعض المواهب بصورة قاسية، فمسؤولية النقد تختصر في تبني المواهب الجيدة وتشجيعها عل النمو لا التدمير والانتقام.

ليس عيباً أن نكاشف هذه الظواهر في الصحافة المحلية، بل المطلوب أكثر من ذلك استعادة تقاليد الجدل والخلافات البناءة، لأنه وبدون ذلك تصبح مياه الإبداع والنقد راكدة.

أسماء الزرعوني

Asma_alzaroni@hotmail.com