الكتاب (عمر حمدي ـ مالفا) الذي صدر مؤخرا عن وزارة الثقافة السورية،لايكفي لتكريم أو للاحتفال بهذه الأسطورة الشرقية التي هربت من دمشق إلى بيروت عام 1978، ومن ثم إلى قبرص بجواز سفر مزوّر، ومنها إلى (فيينا)عاصمة النمسا، مكرهة من كثرة شعورها بالرهبة والوحشة، ومن ثم الاضطهاد. إلا انه كتاب يريد أن يرد بعض الدين ـ الوفاء، لمثل هذه العبقرية التي تعتبر اليوم واحدة من أهم خمسة فنانين معاصرين في العالم.
الكتاب لا يتحدث عن عمر حمدي رغم أنه يحمل مقالتين صغيرتين خجولتين عدد صفحاتهما لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، كتبهما كل من د ـ رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري ود. سعد الله الطويل. بل يترك مالفا ـ عمر حمدي يتحدث عن نفسه،إذ يحتوي الكتاب على(99) صورة تمثل مراحل مختلفة من تجربته التي بدأها أول ما بدأها واقعيا تعبيريا، ثم تجريديا، ثم واقعيا، ثم انطباعيا. حيث أضاف كثيرا لهذه المدرسة التي ابتدعها فإن غوغ وغوغان. يكتب لي على صفحة كتاب وضعته عنه جانيت كور كيس: عزيزي أنور ـ النقد هو أن تكون وحيدا وأمميا في لحظة واحدة 10/6 ـ 1977. كيف أكون وحيدا ومن ثم أمميا؟...
يريدنا الفنان أن نقرأ لوحته كونها لوحة مليئة وغنية بأحاسيسه الحدسية، وليس على أنها لوحة محشوة بألوان. فهناك حتى في انطباعياته تفاصيل شديدة تأخذ بعدا سرديا من خلال اللون يعمّق رؤيتنا في بحثه عن الجمال، وتجسيده للمأساوي ـ المأساوي الذي فيه عذاباته. فبينما هو ذاهب لنصر ـ فجأة إذا به يهزم (يجمع لوحاته بعد معرضه الأول في دمشق، ويضعها في صندوق يحمله في شاحنة إلى حي زقاق الجن، ويصب صفيحة نفط عليها ويحرقها). هل ييأس؟وفي هذه الحالة يعاقب من؟.
عمر حمدي (مالفا) بعفويته التي رسم فيها أول أعماله ـ لم يدرس الفن دراسة أكاديمية ـ لم يكن يدرك أن الناس من حوله متوحشون، ولذلك لم يربّ أنيابا حتى بعدما تلمّس ذلك، لأنه لم يقابل الوحشية بوحشية، لأنها ظاهرة ذات قوة سلبية، ووحشيتها التي فيها ؛ أنما هي من دفاعها عن نفسها لكي تبقى وتستمر لأن الوحشية عند عمر فكرة، وفي أعماله اللاحقة سيحيلها إلى شكل، لذا فاللون الأحمر الذي يسكن أكثر أعماله، هو برأيي تعبير عن اندلاع نيران القسوة الانتقامية في داخله.
والتي كثيرا ما يحرص على إخفائها ـ لأنها قسوة فيها رد على الوحشية،على القسوة العمياء التي عامله بها مجتمعه كأنه يدافع عن حياته. فالموت البطيء الذي أعدّ له كما كان يتصوّر، بطريقة تنفيس الغضب الذي اعتمل في صدره ـ ظل الأحمر ـ اللون الأحمر ومن ثم البرتقالي يغلي كأن مرجلا تحته، بعكس غيره من الفنانين الذين يضعون اللون الأحمر في لوحاتهم كلون زينة ـ أو رمز.
الأحمر عند مالفا عمر حمدي لون يحكي، لأنه لون مرتبط بالجذور النفسية والحزينة ـ الحزينة عند عمر؛ لون يمثّل الوجه النقيض للقسوة، النقيض للسلطة الغول الذي لا يمكن أن يقهر.
لون شكل ومنطق اللون هو منطق الشكل الذي يذهب إليه عمر حمدي، فيودع فيه ـ يضع فيه انفعالاته التي حملها من الحسكة التي ولد فيها عام 1951 في قرية أم حجرة، ومن ثم رسم لوحات طار بها بعد هروبه من سوريا التي أقام فيها عددا من المعارض في كل من دمشق وحلب؛ إلى فيينا ونيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس وبودابست ومدريد وفرانكفورت وكثير من دول العالم.
لون/انفعالات سببت له الكثير من المضايقات مذ كان في دمشق، وحتى هروبه إلى فيينا حيث قضى فيها سنوات يصارع الجوع والتشرد في شوارعها، إذ أغلقت الصالات أبوابها في وجهه ما ذكره بدمشق التي لم تهتم بعبقريته؛ عبقرية فنان تقود مخيلته قوى حدسية ولا شعورية، وكأن أحاسيسه في حالة اهتياج دائم. وكأن عليه أن يرسم بالأبيض ـ الأبيض الوداع، الأبيض المعاني البريئة. لكن ماذا يفعل بالأبيض، بالصمت، بالسلام؟
عمر حمدي ـ مالفا، يمسك به ـ بالأبيض ـ يلوي عنقه، فيضع فيه انفعالاته ـ جديته وصرامته ويرسم عليه بالأحمر والبرتقالي داحرا كل قيم الإحباط والانكسارات التي عانى منها مذ أصيب بأول خيبة؛ اثر فشل معرضه الأول في دمشق، وحتى ضياع أحلامه التي صارت تتكسر على أرصفة شوارع فيينا؛ وإذا بالعملاق يرسم أسطورته الشرقية، فيصير الغرب يتسابق ليسترق، يلمح، يرمق، يحدج، ينظر إلى أعماله.
دمشق ـ أنور محمد
