بعد نجاحه في تقديم عدد من المسرحيات (مخرجا ومؤلفا) يحاول المخرج السوري قصي قدسية تقديم رؤية مختلفة لمسرحية الخادمات للكاتب الفرنسي الكبير جان جنيه.
صعوبة النص تأتي من كونه يحمل معظم «أفكار جينيه» العبثية والثائرة على المجتمع في نفس الوقت، ولعل أبرزها الصراع الطبقي الذي يكشف عن الهوة الكبيرة بين الطبقة البرجوازية المترفة والمُتمثلة بشخصية السيدة، وبين الطبقة الفقيرة المُعدمة التي تجسدها الخادمتان الفقيرتان، والمأساة التي تعيشها هذه الأخيرة نتيجة سحق الأولى لها وحرمانها من أبسط حقوقها. ورغم أن عددا كبيرا من المخرجين العرب سبقوا قدسية لإخراج هذا العمل أبرزهم جواد الأسدي وبثينة الكثيري ورسول الصغير، غير أن المخرج الشاب يحاول تقديم العمل برؤية مختلفة كليا عن التجارب الإخراجية السابقة مع إخلاصه لمعظم الأفكار التي أودعها جينيه في نصه.
نلاحظ في بداية العرض محاولة الخادمتين تمثيل مشهد قتل السيدة التي تمعن في سحقهما، حيث تؤدي كلير دور السيدة فيما تقوم سولانج بدور الخادمة المطيعة كلير التي تحاول أخيرا الثورة على واقعها والتحرر من بؤسها وذلها من خلال اغتيال السيدة، ويشعر المشاهد وكأنه أمام مشهد تمثيلي أو مسرحية داخل مسرحية تنتهي بالفشل حين تعجز كلير عن قتل سيدتها. غير أن السيدة تظهر فجأة بشكل واقعي وتحاول أن توهم الخادمتين بحبها واهتمامها بهما وتحاول منحهما بعض مقتنياتها الثمينة، الأمر الذي يكشف نزوع جينيه لكشف النفاق العالمي وتعرية الإدعاءات الزائفة للطبقة البرجوازية التي تدعي أنها تحترم الإنسان ولا تهضم حقوقه المشروعة.
ويقول المخرج إنه يتحدث في عمله عن الصراع الطبقي المستمر بين الأسياد والخدم مشيرا إلى أنه رغم تعاطفه الكبير مع شخصية الخادمات اللائي يفقدن مع الزمن إنسانيهن وأنوثتهن أيضا، غير أنه يحاول إدانتهن من ناحية أخرى كونهن يرضين بالواقع المعاش دون محاولة تغييره، كما أنهن يعجبن في بعض الأحيان بشخصية السيدة بما تملكه من مغريات ويحاولن تقمصها. إن فشل الخادمتين في نهاية العرض بقتل السيدة، ليدفعن بالمقابل حياتهن ثمنا لهذه المحاولة، ربما يدل على رؤية الكاتب والمخرج من بعده بأن التغيير لا يتم بطريقة عفوية وآنية وبشكل فردي، إنما يستلزم الكثير من الجهد والتنظيم على أن يطبق بشكل جماهيري.
وإن كان المخرج لا يحفل كثيرا بقدرة المسرح على تغيير المجتمع، مكتفيا بتعبير الكاتب السويسري فريدريش دورلمات بأن المسرح يقتصر دوره على التنبيه والتحذير، ويشير إلى أن شروط العرض المسرحي تلعب دورا كبيرا في ذلك كون أغلب العروض المسرحية تعرض في صالات مغلقة (علبة إيطالية)، مؤيدا فكرة مسرح الشارع الذي يعتقد أنه الأكثر تأثيرا كون الممثلين والجمهور يقفون على مستوى واحد، كما أنه أقرب للواقع.
دمشق ـ حسن سلمان
