ينسى ويتناسى الكثيرون أن المقاومة الثقافية في ظروف الاحتلال هي فعلٌ اجتماعي عميق وفعلٌ سياسي نافذ من شأنه أن يخلق موازنة صحيحة في ظروف ناتجة عن معادلة غير طبيعية في الواقع الاجتماعي.
فالاحتلال وهو يواجه مقاومة مسلحة متوقعة يستطيع أن يسلك سلوكاً ضارياً إزاءها، لكنه إزاء الكلمة العارية من فعل النار المباشر لا يملك غير الإنصات لها مهما حاول المراوغة والالتفاف عليها، والمثقفون العزّل عادة لا يملكون غير شرار الكلمات وحرائق السطور والوعي القوي إزاء مشكلة المحتل الدخيل، ولعلنا نكنّ الاحترام المتين لتجربة (غاندي) في اللاعنف واللاسلاح حينما حرر الهند من سطوة الاحتلال البريطاني بالعقل المستنير والحكمة البليغة وهو يواجه جيوش الاحتلال بقامة نحيلة ورأس صغير وثوب يشبه الكفن!
الحالة العراقية التي يشتبك ويتشابك فيها الواقعي بالديني بالخيالي بالمعقول واللامعقول لم تفرز بعدُ نموذجها الثقافي القادر على تثوير إمكانيات المجتمع في سحق الاحتلال بطريقة اللاعنف واللاسلاح، فالمنظومة الثقافية العراقية ما تزال متخاذلة ومنكفئة تحت عمائم وافدة وحِراب مسنّنة بالدماء و«رؤوس« جاهلية ترمي إلى تفكيك الواقع إلى كانتونات صغيرة للقضاء على بذرته الاجتماعية المتحضرة التي قاومت ثلاثين عاماً كي تظل بذرة خضراء.
المقاومة المسلحة في صفحتها المباشرة باتت واضحة النوايا والأهداف، لكن مقاومة الكلمة في صفحتها الثقافية ما تزال مشوشة، حاسرة الرأس، تتناهبها الجيوش الغازية والأحزاب بصحافتها الكثيرة التي تفرّخ أطناناً من القصائد والمقالات وشعارات الأمل الكاذبة.
المقاومة الثقافية سؤال صعب، يضع مثقفينا في دوامة من الأسئلة الكبيرة، ويدفع بهم لتأمل واقع الحال من الصفحات كلها. فهل هناك ثقافة مقاوِمة حقاً؟ وما هي أسسها العملية؟ وقبل هذا وذاك: كيف يجب أن تكون ثقافة المقاومة في ظروف الاحتلال؟
مثل هذه الأسئلة وغيرها توضع عادة أمام الثقافة العربية؛ وعلى وجهٍ خاص أمام الثقافة العراقية التي وجدت نفسها وقد تحولت من حالٍ إلى حالٍ؛ من كبتٍ وقمعٍ وصوتٍ واحد، إلى انفتاح سريع؛ وصحافة أرنبية. ومن غيظٍ دفين تناسلت فيه الأعوام الثقيلة، إلى انفراج نفسي لا نهاية له، أو هكذا يبدو.فهل يحمل المثقفون السلاح؟؟ أم يحاربون بالكلمة؟ وكيف يمكن أن تكون الكلمة أمضى من زفيف الرصاصة؟
التجربة العراقية تجربة خاصة وصعبة ومريرة، والثقافة العراقية التي مرت بتحولات خطيرة، صارت أمام المارينز وجهاً لوجه، ولا أريد إعادة أن مثقفينا (تضامنوا) نفسياً مع المتغير العسكري السريع بسقوط النظام، فهذا من المسلمات الملموسة؛ لكن واقع الحال فرض نوعاً من المواجهات الجديدة، والموقف الجديد؛ والسؤال الكبير:متى تكشف الثقافة العراقية عن مقاومتها الفعلية للاحتلال الأميركي الصريح؟؟
المشهد الثقافي الجديد عليه أن يستوعب إرهاصات الماضي القريب، وينفتح على الحياة بروح الأمل الجديد، ويقرأ دروس التجربة الصعبة التي مضت؛ وقبل هذا وذاك على الجميع أن يتعلموا مقارعة الاحتلال من الآن وإنشاء قاعدة لثقافة المقاومة العراقية.فهذا النوع من المقاومة هو البديل عن المقاومة المسلحة التي لن تنجو من صدمات كثيرة ومتغيرات على الأرض قد لا تكون في صالحها دائماً، وحتى المقاومة الوطنية الآن تدور في حلقة مفرغة بين العصابات والميليشيات المسلحة التي تستهدف الناس والأبرياء.
ولم يُسجل لها إلا القليل على صعيد مقارعة العدو والاحتلال، وحتى هذا القليل لطخته الأفكار الغريبة الوافدة وعصابات السلب والنهب والخطف والترويع، لذلك فالبديل الجاهز هو المقاومة الثقافية، المقاومة الفكرية التي لم يُسمح لها أن تتسيد المشهد السياسي لأسباب ليست خافية، فالعدو المسلح بآخر التكنولوجيا العسكرية يمكن هزيمته بالمقارعة الفكرية والثقافية والحضارية لو أمكن أن نقيم جداراً فكرياً عراقياً مستنداً إلى كل الإرث الثقافي الذي يعرفه عدونا قبل غيره.
ولكن مَن يعزل فيالق المثقفين والمفكرين والأكاديميين ويقيم عليهم الحد ويطاردهم بالقتل والنفي والذبح سيجيبنا بأن الموضوع أكبر منّا وأكبر مما نريد ونأمل، فإرساء الديمقراطية والتعددية الحقيقية، وليس ديمقراطية الديكتاتورية الحزبية الوافدة؛ وكل شكل من أشكال الحرية هو جزء أساسي من مقاومة الاحتلال، لكن أن ينكفئ المثقفون بهذه الطريقة المستسلمة ويتركوا الأمر لنهايات غامضة هو أمر فيه من الغرابة الشيء الكثير!