أتعلق بنظرية «موت المؤلف» لأصف حالات مؤلف باصورا الذي يختفي وراء عاداته اليومية، ضاناً بممتلكات زمنه الروائي المتوقف عند متاريس حظر تجوال الكتابة والتخييل، مستلاً منها خيوط قناعه الواقي من غازات الاختناق، وواهباً نفسه لأحلام اليقظة تبني له قصوراً في الهواء.
ينطلق مؤلف باصورا في جولاته القصيرة مزوداً بتحليلات حفرية من قصة كافكا ( أبحاث كلب ) واستيهامات قبوية من يوميات دستويفسكي ( تحت الأرض ) كي يصاحب شخصياته الكلبية والسوفسطائية ويشاركها خطط التجلي والاختفاء، ويمارس عاداتها اليومية في الاندماج والتصادم، ثم يعود إلى ( ثقبه ) النظري ليصنف أبحاث يومه الاعتيادي مقاوماً نفور تجاربه الفقيرة من غطاء النظرية الفضفاض.
يخرج مؤلف باصورا كل صباح من ثقب نظريته ليواجه زمنه الروائي الموقوت بهطول الأمطار الموسمية التي تفطر الأرض بفطر النصوص، يتذوق لذتها ويجمع منها ما يقوتُ «مجهوليته» الكتابية وراء اسمه المشاع وعاداته المعروفة. إن عمله مرهون بذلك الاقتباس اللامع من باشلار: «حتى نتمكن من اكتشاف خاصيات الواقع المجهولة، تبقى النظريات، وهي في طليعة العلم، وحدها المكتشفة».
وحين نضع «علم النظرية» الباشلاري إلى جانب «نثر الواقع» في مفهوم كونديرا الروائي، فإننا سنحصل على «سحر النص» الذي يمنح الزمن الروائي جماليات الشعر الغنائي ونثر التركيبات السردية والفلسفية لخاصيات الواقع. إلا أن الدعم الأكبر يأتينا من رولان بارت الذي يحدد موقع المؤلف وحضور جسده في شبكة إنتاج النص.
يفترض رولان بارت (في حوار مع موريس نادو) أن وجود المؤلف يقتصر على «لحظة الإنتاج» وينتهي بانتهائها. (درس السيمولوجيا / ص 40 ). ويعين بارت هذا الوجود بحضور جسد المؤلف : «قد لا يكون الجسد شيئاً شخصياً، لكنه فردي. والجسد يتجلى بكيفية من الكيفيات في الكتابة».
ما عدا الجسد، حضوره الفردي، لا تتبقى من خصوصيات المؤلف آثار ظاهرة، بعد انتهاء لحظة التأليف، ولا رابطة من روابط «التسيير والملكية» تربطه بإنتاجه بعد نشره. لعل هذا الافتراض بداية الجدال الواسع حول فكرة «موت المؤلف» التي استأنفها بارت في مقالة أخرى، وانفتاح بوابة المجهولية الكبرى على عالم النصوص غير المكتشفة.
إلا أن بارت لم يحدد «مدة» تجلي المؤلف في لحظة الإنتاج و«قوة» حضوره في نصه. فهل تكفي «المسودات والتنقيحات التي تفجرها الطباعة» لاستجلاء هوية المؤلف واستيضاح كيفيات حضوره الجسدي؟ هل يغني اسمه الصريح أو المستعار وصورته وسيرته المختصرة على غلاف كتابه عن الحضور الكثيف للجموع التي انبثقت من وسطها بحوث المؤلف وصدمات الواقع؟ وهل نشير إلى غطائه النظري عوضاً عن الإشارة إلى خاصيات الواقع غير المكتشفة؟
أحسب أن عناصر كثيرة تشترك في تمديد لحظة الإنتاج هذه، وتجسيد حضور المؤلف. إن أدوات الكتابة، وعادات التأليف، مكملات محسوسة لجسد المؤلف. وغير هذه فإن زمن الرواية وجريانه في عملية التأليف يوسعان الحضور الجسدي للمؤلف حتى يشمل حضوره اللاجسدي. والحقيقة أن عمليات (التسويد والتنقيح والإضافة) هي أطول من تصور مدتها، وأحرى بالمؤلف أن يتوسع حضوره من خلالها.
أما حين تنتهي هذه اللحظة، فإن غياب المؤلف أو انقطاع روابطه بنصه قد «يعدد» صوره في وعي القارئ بدلاً من أن يقلصها أو يعدمها تماماً. سيغدو الغياب نوعاً من «المجهولية» التي تدفع القارئ إلى استحضار الصورة الغائبة للمؤلف، لتنطق بما نطقت أو خلاف نطقها. ستحيى «ذات» المؤلف بدافع التأويل المستمر، وستموت بموت هذا الدافع. وسيكون المؤلف «مجهولاً» إزاء «معلومية» النص وافتراضات القراءة. سيحل «غيب القراءة» حين ينقطع «غيب الكتابة»، وتنطق اللحظة المؤقتة للإنتاج بتشكلها المركب من خامات النص وعادات المؤلف وبحوثه النظرية.
أعتقد أن المؤلف سيتلبس مجهوليته التي تعدد صور غيابه أو كيفيات حضوره الافتراضي بعد انتهاء لحظة الإنتاج الفعلية. وفي حين أن لفظة «الموت» تشير إلى لحظة فناء جسدية فإن مجهوليته ستمدد لحظة فناء ذاته اللاجسدية وتبعثرها في ثنايا نصه حتى تضيع بين عناصره الجمالية. ولعل هذا هو تفسير عبارة بارت عن مسودات مارسيل بروست : «إن هذا لا يخلو من جمال تشكيلي. وهو في النهاية رمز الكتابة التي تتوالد وتتشتت على طول الصفحة». ) درس السيمولوجيا / ص 40 ).
ناقشتُ قدر استطاعتي فكرة «موت المؤلف» ودافعت عن مجهولية مثالي (مؤلف باصورا) واختفاء جسده في مسودات نصوصه، لكن دفاعي سيتهاوى حين يواجه هذا المؤلف أول صدمة تخفيها خاصيات الواقع المخبوءة، ولن تدفع نظرية الموت الافتراضي الأجل المحتوم الذي ينتظره.
راوغتُ في جدالي لكيلا أصل إلى لحظة الإنتاج الخطيرة التي تجتمع فيها بحوث يوم عراقي طويل مستخلصة من شبكة الواقع المعقدة الطرق. عاد هذا المؤلف في نهاية اليوم إلى ثقب نظريته، حينئذ بدأت أنامل باشلار بتغطية جراح جسده بمرهم ممزوج من نثر الواقع وشعرية العلم. ووقتما انشغل المؤلف في تحضير مسودات زمنه الروائي، أخذ «كلب أبحاثه» بإطلاق نباحه بوجه النجوم. كتب هذا المؤلف في واحدة من مسوداته : «في مكان من باصورا مات مؤلف على قارعة الطريق، فولدت من موته لحظة إنتاج عظيمة، واختفت النظرية في ثقبها».