قدمت مجلة الهلال المصرية عدداً خاصاً احتفاء بالكاتب الساخر محمود السعدني، الذي يعتبر رائداً من رواد الصحافة العربية، ويعد السعدني رائد الكتابة الساخرة في الصحافة العربية مما سهم في خلق تيار صحافي مصري يحترم حرية التعبير ويؤمن بالاختلاف واحترام المهنة ورسالتها والاعتزاز بالنفس وبالقلم مع الوفاء والتقدير والاحترام لكل من يعمل في بلاط صاحبة الجلالة حتى لو تباينت المواقف.
وجاء عدد الهلال الذي صدر في يوليو 2007 عن محمود السعدني بمثابة باقة حب من كبار الكتاب في مصر والعالم العربى لهذا الكاتب المبدع فهو ليس سيرة ذاتية ولايتناول محطات السعدني الإبداعية سواء في مجال الإبداع ككاتب للقصة القصيرة أو الرواية أو حتى معبراً عن مواقفه كهامة كبيرة في بلاط صاحبة الجلالة، وإنما جاء كشهادة يقدمها كتابنا الكبار في محمود السعدني الكاتب والإنسان.
وبدأ الكتاب بافتتاحية لرئيس تحرير الهلال مجدي الدقاق الذي قال في السعدني: إنه أحد رموز الرواد الكبار وصاحب قلم مبدع له دور مؤثر على أجيال متعاقبة من الكتاب ويختتم الدقاق مقاله مخاطباً السعدنى: أيها العم محمود.. عد إلينا فلا يزال بعض التجهم والعبوس والجحود وعبث صبيان شارع الصحافة بيننا ونحتاج في هذا الزمن لحكاياتك وضحكاتك، ونتمنى لك الشفاء العاجل، وأن تعود إلينا كما عهدناك «كولد شقي» يبعث الفرح فينا ويواصل سخريته على الدنيا ومنها. عم محمود دمت لنا.
وتتواصل المقالات في حب محمود السعدني نوجزها فيما يأتي ونبدأ بمقال أحمد الجمال الذي قال فيه: الكتابة عن واحد من الذين اخترعت الكتابة لأجلهم أمر صعب. لقد أحب السعدني الحياة وبادلته حباً بحب وحتى في اللحظات المضنية القاسية التي اعتصرته وأفزعته كانت لديه القدرة على التصالح مع اللحظة لتدبر سبيل النفاذ منها..
والحياة عنده كل لا يتجزأ البدء فيها كان الكلمة وكذلك الانتهاء. أما الروائى خيري شلبي فيقول: خلق الله محمود السعدني على هيئة بشر ولكن بمزاج الفاكهة والورود والرياحين فإذا هو حديقة أثرية من حدائق مصر الجيزاوية الفرعونية المسكونة بالثقافة العربية تجد فيها ما شئت من المذاق الفاكهي وتتنسم في مناخها أرواحاً من العبق الحميم.
فهناك من وهبه الله قدرة على الكتابة وعجزاً عن الخطاب الشفاهي، أو التحدث أو حتى مجرد الأداء لما كتبه بقلمه، وهناك من وهبه الله قدرة على الأداء دون الكتابة وقد يجمع المبدع بين موهبتي الكتابة والأداء لكن ميوله الفطرية تجنح به إلى الأداء الشفاهي فتقل إبداعاته المكتوبة وتكثر إبداعاته الشفهية.
الوحيد الذي جمع بين الموهبتين في اتساق تام وتوازن خلاق هو محمود السعدني ولهذا لم يضع من عمره برهة واحد في الفراغ، واستطاع أن يفيد الحياة الإنسانية بكل زفرة من زفراته. وتحت عنوان «عيشة المساجين» كتب صلاح السعدني الممثل المعروف «أي سعدني» أكتب عنه إنه ليس شخصاً واحداً ولا أستطيع أن ألم بكافته لو نظرت إليه من جانب واحد.. السعدني جماعة ضخمة أو هو قبيلة كاملة.. حارة بكل ما فيها ومن فيها.
أما الكاتب مفيد فوزي فكتب ذكرياته عن محمود فيقول: أذكر أنه قد مرت بي ظروف حادة وشديدة حيث فصلت بأمر سامي شرف من قبل النظام الناصري الشمولي وكان محمود السعدني حريصاً في هذه الفترة على أن يقوم بزيارتي في بيتنا بالمنيل والذين زارونى في تلك الفترة اثنان أحدهما مر على المنزل وطلب منى النزول والثاني جاء إلى المنزل وهو محمود السعدني وجلس وقتها مع عبدالرحمن الشرقاوي وطلب منه حساب فروق اللائحة بعد زيادة مرتبات الصحافيين ولم يتركه إلا بعد أن حصل على مبلغ كبير من المال يخصني بأثر رجعى وأتى السعدني إلى بهذا المبلغ.
كما أتذكر أننا لم نعرف ضحكة أحمد بهاء الدين إلا من خلال نكته يقولها محمود السعدني فالنكتة عنده لها أبعاد فهي ليست مجرد كلام وكان يحترم بشدة أحمد بهاء الدين ومحمد حسنين هيكل ومعجب بجنون صلاح جاهين. أما الكاتب أحمد طوغان فكتب مقالته تحت عنوان (عمري معه) حيث يقول: محمود السعدني هو مصر بخفة دمها وذكائها وفروسيتها وشهامتها وكرمها، وقدرتها على اجتياز المحن والكبوات وصبرها على الشدائد وتحملها للآلام وإيمانها بأن الليل له آخر.
القاهرة ـ مرسي القرضاوي