يقدم مسرح غولوفين مسرحية «العادلون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو الذي كتبها عام 1950 و يخرجها أنطوان دو ستايل ضمن فعاليات مهرجان أفينيون المسرحي الذي يمتد طلية شهر يوليو الجاري. في كل مهرجان يبدو المتفرجون على موعد مع مسرحيات لذلك الكاتب الذي يعتبر أحد رموز الأدب الفرنسي المعاصر.
تدور أحداث المسرحية في موسكو عام 1905حول محاولة اغتيال أحد المسؤولين من قبل بعض الثوار في الحزب الاشتراكي الروسي فهم يختلفون على تنفيذ العملية حيث يرفض أحد الثوار عملية الاغتيال باعتبار أن أحد أطفال المسؤول يرافقه أثناء خروجه. تركز هذه المسرحية على المشاعر الإنسانية التي يلتزم بها أحد أفراد الجماعة تجاه الإنسانية فهو يدرك خطر ذلك الشخص على الشعب و بالتالي ضرورة التخلص منه فالعملية أخذت وقتاً طويلاً.
يعتمد المخرج تقنية الخشبة العارية حيث ان جداراً كبيراً يشكل خلفية الخشبة المضاءة بمصابيح متدلية حتى وسط الخشبة وثمة أربع نساء ورجل يقومون بأدوارهم دون أن تنقطع سلسلة الحوار بينهم. نراهم يتحركون بحرية على الخشبة بشكل يعطي الأهمية الأولى للحوار وهنا فإن أحد ما يميز تقنية الإخراج هي دوران الممثلين الأربعة حول الممثل الخامس الذي يقف في وسط الخشبة ويتعرض لأسئلة زملائه. وهنا ينجح المخرج بتحقيق هدف الكاتب المتمثل بإظهار أهمية الموقف الإنساني الذي تبناه أحد الثوار «يانيك»، حيث انه رفض تنفيذ عملية اغتيال الدوق طالما أنه كان برفقة طفليه.
تطرح المسرحية جدلية الخير و الشر فيتساءل أحد الثوار إذا كانت عملية الاغتيال ستحرر الناس من ظلم ذلك المسؤول أما الثائر يانيك المعارض لعملية الاغتيال فيرى أن هذه العملية ستحدث ظلما بدورها حيث أن إلقاء القنبلة على الدوق سيعرض حياة طفليه للخطر. يشرح الثائر يانيك المشهد الذي رآه عندما أراد تنفيذ عملية الاغتيال لحظة خروج الدوق من المسرح فقد كان من المفروض أن يكون وحيداً لكن شاءت الأقدار أن يرافقه طفلاه اللذان كانا يضحكان ببراءة وعفوية فلم يطاوعه قلبه بإلغاء حياتهما.
عندما شرح الثائر يانيك ذلك الموقف لزملائه الثوار بدأ الجميع بطرح الأسئلة عليه حتى انهم ينقسمون إلى معارض ومؤيد لذلك الموقف فمنهم من يذكر أن آلاف الأطفال يموتون جوعاً بسبب طغيان ذلك الدوق الذي لا يفكر بآلام الشعب.
تطرح هذه المسرحية إعادة كتابة التاريخ وبالتالي فإن الكاتب يهدف لإظهار ما هو حقيقي وصحيح فالعادلون أو الثوار يظهرون على طبيعتهم في الحياة، إنهم يبحثون عن العدل والبراءة رغم ذلك الشقاء الذي يخيم على حياتهم.
يريد الكاتب ألبير كامو التركيز على النواحي الإنسانية التي تجيش في صدر كل شخص خصوصاً الثوار حتى ولو كان الموضوع مصيرياً فهو يريد أن يجسد لنا صورة المناضل العادل الذي يعطي الأهمية الأولى للمواقف الإنسانية دون أن يفقد روح تلك الثورة التي تعيش فيه. فالمسرحية تدور في فضاء الأفكار التي تتعلق بالثورة و بتحرير الأرض من المحتل وهنا فإن الكاتب يشدد على أهمية الحفاظ على النقاء الداخلي للإنسان.
أفينيون ـ منتجب صقر
