أول ملامح التوفيق للكاتبة والقاصة العمانية الشابة هدى الجهوري هو اختيارها عنوان مجموعتها القصصية الأولى (نميمة مالحة) والتي ضمت خمسة عشر نصا قصصيا تناولت فيها تفاصيل الحياة ومظاهر البيئة ويوميات إنسانية من خلال أحداث وشخصيات مكتنزة بالصدق والعفوية والوعي.
وتقدم الجهوري نصوصا مرسومة بألوان من الواقع وبنمنمات الحياة اليومية المعاصرة من خلال البوح بلغة امتلكت البراعة التعبيرية لتقوم بعملية نقد منمق، هي محاولة مقصودة لنكأ الجراح المكبوتة، وتعرية مجتمع تسوده سلطة ذكورية متسلطة.
تستلهم هدى أفكارها وموضوعات قصصها من ممارسات الناس اليومية ومن ثرثراتهم العادية، فتقدم سردا لحكايات تتماس مع التفاصيل الخاصة وتتداخل في حوارات الشخصيات وبعضها البعض، وبين الشخصيات وذاتها.
ترسم الجهوري في قصة (اللعبة حين تدار في الخفاء) شخصية شاب لتبدو نموذجاً لنمط تفكير واهتمامات شباب هذا الجيل حيث تستهويهم التسلية بالعواطف والتركيز على تشكيل شبكة علاقات متعددة يوهم فيها الشاب كل فتاة أنها الوحيدة في وجدانه، كما يعكس النص مدى مشاعر الفراغ العاطفي والفكري والمهني التي يتخبط فيها الشاب؛ فيلجأ للتسلي بمواعدة الفتيات لعل ذلك يعبئ ساعات اليوم لديه حتى يصل إلى أن ( يؤلمه أنه لم يعد يشعر بخصوصية الحبيبات اللواتي بدأن بالتداخل عليه كالمطر..
ولذلك يقول البطل..( أفكر فقط بأن أبتر ياسة من قفصي الصدري، وأن أفتح بابا للحبيبات الكثيرات ليدخلن علي ويلامسن الفراغ الهش بأصابعهن عله يضيء). تكتنز قصص الجهوري بالمتعة التي تحققها للقارئ، مما ينم عن قاصة فطرية تكونت ملكتها مما استمدته من الحكايات والأساطير والخيال والواقع، جعلت من الخزعبلات والتقاليد المشبوبة بالكثير من الخرافات التي اندرجت ضمن التقاليد المتوارثة.
حيث الناس يغامرن بثقب الاطمئنان الخالي من البهجة لعلها تفرقع شيئاً من مرح مجهول، إنها قاصة مترعة بالكلام المتجدد والمسترسل، حتى لا تكاد تسمح لقلم الكتابة بأن يترجل عن أصابعها، وكأنها تخشى من التوقف في لحظة فلا يتاح لها أن توقظ الحكايات النائمة، وأن تغلق فمها ولا تزال فيه بعد حكاية نائمة.
تقترف الجهوري النميمة بكامل إرادتها واعترافها حيث غلفت بالسرد إسقاطات واضحة ولافتة، اغلبها يدفع إلى حسنة التعبير وضرورته، وفي المقابل هي تسخر من (العابرين المنتفخين الذين يحيكون بالأكاذيب قبل أن يخيطوا أفواههم بالصمت).
تلتقط هدى أبطالها من الأماكن القريبة، والأحياء المتناثرة، والقرى الحميمة، والأسواق الصاخبة، والغرف المغلقة، ومزارع النخيل العزيزة، والممرات الشائكة. أبطال.. بسيطون حساسون محرومون متعبون مشوشون مضطربون ومتمردون، أولى احتياجاتهم الأمان والحب. ولا تتخلى الجهوري عن خصوصية انتمائها إلى نون النسوة فتنحى إلى التأكيد على ذلك بوعي، وهي ترصد نظرة الرجل للمرأة؛ وفي المقابل ترصد المرأة التي تعي هذه النظرة بنفسها؛ فتتعامل مع الرجل من خلال هذا الوعي لكشف زيفه وتناقضه.
وهكذا تنتقي الجهوري عناوينها بعناية تؤكد فطرتها وخصوصية تجربتها، ومقدرتها على توظيف أدواتها الفنية والفكرية بلغة لا تحتمل التأويل بقدر ما تستحق الاحتفاء والتمحيص بأكثر من قراءة. كما تشير في كل سطر من مجموعتها إلى ما يبدو أنها تريد التأكيد عليه وهو.. أن النميمة امرأة تخشى أن تموت وفي فمها حكاية.
كتبت: فاطمة محمد الهديدي
