قرأت خبراً عن الكاتبة «جي كاي رولينغ» صاحبة سلسلة روايات «هاري بوتر»، وأنه قد بيع من الأجزاء الستة لروايتها ثلاثمئة مليون نسخة فقط !، وتُرجمت سلسلة الروايات إلى ثلاث وستين لغة. والمعروف أنها ليست الرواية الوحيدة (غير العربية) التي تحقق هذه الشهرة والمبيعات الخيالية.
سيكتشف الوجه الآخر من الصورة إذا عرفنا أن الكتاب العربي لا يُباع منه سوى بضعة آلاف من النسخ، والملفت الغريب أن الكتب العربية الأكثر مبيعاً تنتمي إلى عالم السحر والشعوذة والخطابات الأيديولوجية الصارخة.
ألا يعكس ذلك حال الوعي والوجود المجتمعي المتآكل؟.أي نعم.. إننا طاقة استهلاك كبيرة في العالم، ولنا ان نزهو بأرقى وافخر الخدمات الترفيهية. لكننا، ويا للأسف لا نُسهم في صناعتها، ولا علاقة لنا بالإبداع الإنتاجي الذي يصنع قيماً مادية.
هذه كما قلنا، ليست الروائية الوحيدة التي تحقق هذه الشهرة، والتوزيع القياسي، لكن المشهد التراجيدي لن يكتمل إلا بمشاهدة نصف الكوب الآخر.. مشاهدة الحال الثقافي العربي خارج نطاق الكرنفالات والمهرجانات والمسابقات المليونية.
ما تشهده صناعة الكتاب في العالم العربي ترجمة أمينة ودقيقة لسلسلة الإخفاقات المتتالية في بناء الإنسان باعتباره مركز التنمية. والشاهد أن بناء المدن لا تُغني عن ثقافة الإنسان وعلاقته بالمعرفة المجرّدة، فما يجري في عالم الكتاب هو الوجه الآخر للتردي الظاهر في حياتنا، وليست ببعيدة تلك الاحصاءات التي تشير بأن نسبة الكتب المطبوعة في اسبانيا تتجاوز كل ما يطبع في العالم العربي.
وليس ببعيدة أيضا تلك الإحصاءات التي ترينا أن عدد مراكز البحوث الاستراتيجية في إسرائيل تتجاوز العدد المماثل في عموم العالم العربي! ، ولهذا السبب وتأكيدا على ذلك جاءت آخر احصاءات الأمم المتحدة الخاصة بالاستثمار في مجالات البحوث الاستراتيجية لتضع هولندا وإسرائيل في قمة العالم من حيث نسبة المال الذي ينفق على ذلك الاستثمار قياساً بالدخل القومي العام!
ماذا يعني كل ذلك ؟ ألا يعني أن خللاً جوهرياً يحيط بنا؟. وبالمناسبة تقول الإحصاءات أيضاً أن نسبة الأُمية في العالم العربي في تزايد، وان التفاوت بين دولة وأخرى في هذه النسب لا يلغي النسبة العامة للأُمية، وخاصة في بلدان الأطراف الفقيرة.
جملة المؤشرات التي أوردناها تشير الى الضعف الحقيقي في تنمية الإنسان، وهو كما نرى ليس ضعفاً عاماً فقط، بل أنه يدخل أيضاً في بعض الجوانب المتعلقة بالهوية والخصوصية، فمقابل انتشار الأمية في البلدان الأكثر فقراً نجد انحساراً واضحا للهوية اللغوية والثقافية في الدول العربية، فقد تراجعت مستويات اللغة العربية في المدارس العامة في عموم العالم العربي، بما في ذلك مصر «أكبر الدول العربية وأكثرها عراقة في التعليم»، وسنجد السباق المفتوح للتدريس بالانجليزية وقد تحول إلى بديل للعربية .
كما لا يحدث في أي مكان في العالم، بما في ذلك أصغر الدول وأقلها سكاناً، وإذا تيقنا ان اللغات المحلية جداً والمنطوقة من بضعة ملايين من الناس في الدنمارك والسويد وهولندا ورومانيا والبرتغال تنال مكانة مركزية في التعليم العام سنكتشف مدى استغراقنا في تدمير الخصوصية والهوية كما لا يفعل احد في العالم، وتستمر اللوثة في كل المستويات «المدارس ـ أجهزة الإعلام ـ وقد تباشر الصحافة ذات المسار قريباً».!
هكذا وضع العرب أنفسهم في الخانة الأكثر بؤساً، وقبلوا بالسقوط الحر نيابة عن الغير، ولهذا السبب ستكون روايات «هاري بوتر» هي الأهم والأكثر انتشارا!، ولهذا السبب يُحيي العدو اللغة العبرانية المنقرضة، فيما نضيع لغة القرآن الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أسماء الزرعوني