من الصعب الجزم بوجود مبدع شمولي يستطيع الإلمام بعدة أنواع من الفنون في الوقت ذاته وبالسوية ذاتها، لكن بالابتعاد عن الجزم المطلق يمكننا الزعم بأن الأديب غسان كنفاني، وبمناسبة ذكرى استشهاده، كان مبدعاً شمولياً، وشكل تفرداً لم يتكرر بعد، فقد أتقن كنفاني الرسم واشتغل على الحروفية في الكثير من لوحاته، كما أتقن كتابة القصة والرواية والمسرحية، وكتابة الخاطرة والمقالة والدراسات النقدية.. وحتى في عمله الصحفي كان مبدعاً وناقداً لاذعاً وجريئاً حتى السجن..

وما أسبغ على إبداعه بعداً إنسانياً رغم تعلقه العميق بقضيته الفلسطينية، موضوعيته وشفافيته من جهة، وكتابته عن الراهن من جهة ثانية، فقد كان إنتاجه الأدبي متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به، لكن نظرته لهذا الواقع من زاوية مختلفة تماماً عمن عاصروه من الكتاب.

ففي الوقت الذي كان فيه البكاء سيد التعبير عن واقع الشعب الفلسطيني بعد النكبة، كان كنفاني ينتقد هذا الواقع بموضوعية، ومقولته «خيمة عن خيمة بتفرق» تشير إلى ذلك أثناء رصده لحياة اللاجئين في المخيمات والتباين فيما بينهم حتى وهم يعانون ويل المأساة، ورافق هذه الموضوعية وعياً فكرياً تجلى في أطروحاته التي تعتبر الإنسان قضية، وكان ذلك في قصته «عائد على حيفا» المستوحاة من تشريد مواطني حيفا إلى عكا.

وإذا كان السبق والاستشراف من صفات المبدع، فقد كان كنفاني شمولياً في ذلك أيضاً، ولو منحه القدر بعض الوقت لكان أول روائي يكتب ملحمة فلسطين، فقد كان يكتب على امتداد رواياته عملاً واحداً، بدءاً من «رجال تحت الشمس» (1963) وانتهاءً بـ «عائد إلى حيفا» (1969) اللتين كانتا كمقدمة طويلة لكتابة «العاشق» التي بدأها سنة (1966) ولم ينهها، وكان سيقدر لها أن تكون أبرز وأنضج وأكمل عمل لكنفاني بل ولتاريخ الرواية الفلسطينية.

وكان كنفاني أول من كتب عن حياة أبناء الخليج ووصف تفاصيلها وصفاً دقيقاً وذلك في قصته «موت سرير رقم 12» وهو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، وأصبح كتابه عن «شعراء الأرض المحتلة» مرجعا مقررا في عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين. ومن الدراسات الأولى التي تناولت الأدب الصهيوني كانت دراسة لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان «في الأدب الصهيوني».

في أوائل ثورة الـ 58 وأيام حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق واستشرف انحراف النظام، وعاد وكتب عن ذلك بتوقيع «أبو العز» فقامت قيامة الأنظمة ضده إلى أن ظهرت لهم الحقيقة، وسجلوا سبقه في كتاب خاص بذلك.

ولو عدنا إلى الفترة التي تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية في تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللا سلم واللا حرب أي قبل سنوات ممن يكتبون الآن عن هذه الحالة في الصحافة العربية والأجنبية. وكان كنفاني أول من استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة «المحرر» اليومية.

وكنفاني الإنسان الذي تزوج من فتاة دنماركية ورزق بفايز وليلى، تنقل بين دمشق والكويت وبيروت، كمدرس وصحفي وعضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. أسس مجلة الهدف تحت شعار: الحقيقة كل الحقيقة للجماهير..

abuhamed@albayan.ae