مؤلف هذا الكتاب هو إدوار الخراط، هو روائي، وقاصّ، وشاعر، اشتغل بالنقد الأدبي والتشكيلي، وعمل بالترجمة، وكتب للإذاعة وقام بتحرير عدة مطبوعات، كما شارك في إصدار وتحرير مجلة «لوتس» للأدب الأفريقي والآسيوي، ومجلة «جاليري 68 » الطليعية، وعدة مطبوعات لكل من منظمة التضامن الإفريقي الآسيوي، وله العديد من المؤلفات منها : حيطان عالية مجموعة قصص، ساعات الكبرياء، اختناقات العشق والصباح، أمواج الليالي، ومن الروايات رواية، رامة والتنين، الزمن الآخر، محطة السكة الحديد، أضلاع الصحراء، وغيرها، كما صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «رقصة الأشواق» مترجمة للفرنسية عام 1997، وترجمت روايته «يا بنات الإسكندرية» إلى الإيطالية والإنجليزية والفرنسية.
وفي كتابه الحالي عن الفن التشكيلي يشير المؤلف إلى أن السيريالية المصرية لم تكن تقليداً أو استنساخاً للسيريالية، التي عرفتها أوروبا قبل ذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فجاءت السيريالية في مصر مقترنة بالثورة لا بالإحباط، بالأمل في التغيير وليست نتاجاً لأهوال الحرب ولكنها أساساً كانت مصرية، لأنها استسلمت تراثاً خاصاً بها وحدها، فهو تراث الأساطير الشعبية المصرية، وأفادت من رموز الفلكلور المصري، بل ذهبت إلى حد أنها في التصوير استمدت ألوان اللوحة من الألوان المصرية المميزة.
ويذكر في هذا المجال عبد الهادي الجزار، الذي يعتبر من أبرز الفنانين إسهاماً في تأسيس وازدهار السيريالية المصرية، فنجد أن مفردات التشكيل في لوحاته وحدها مع صياغتها الفريدة تشير إلى عمق ارتباطه الروحي «بالتراث الشعبي»، ومن هذه المفردات الأحجبة والتمائم والثعبان والقرد والبومة والقط ذلك، الذي ينتمي إلى أسرة الآلهة الفرعونية - والديك والفأر والبغبغاء والوشم واليد المفتوحة الأصبع على شكل خمسة وخميسة والمفاتيح المعلقة - مفاتيح أبواب مرصوده وراءها كل الجو السحري والخرافي الذي يعمر لوحات هذا الفنان العظيم.
فنان الصرحية
وينتقل المؤلف إلى فنان الصرحية وهو الفنان حامد وعبد الله قائلاً :لا أظن أن فناناً مصرياً استطاع أن يسيطر على مراحل فنه المختلفة، مرحلة بعد مرحلة بأستاذية وإلهام لا يخطئ على تنوع هذه المراحل، واتساقها في آن، مثل ما فعل حامد عبد الله، وكان طموحه الفني هو أن يعبر الهوة بين «المعني «اللفظ الدقيق للكلمة، و« التجسيد» التشكيلي لهذا المعني - بغض النظر عن الحروف التي تكون الكلمة العربية، أو مع تجاوز هذه الحروف، فلو لم تقرأ «الكلمة» أمومة «مثلاً و«المحبة كدست أو عرفت مضمونها بمجرد النظر أو رؤية التشكيل البحث دون اعتماد على معرفتك بـ «الكلمة العربية» .
ويري المؤلف في أعمال حامد عبد السلام الأخيرة، ما يمكن أن أسميه تطهيراً للتعبيرية، إذ تخلت اللوحة عن نفسها الدرامي ووفادت إلى نوع من السكينة، والشفافية، وتخلصت من النزوات الجسدانية وكأنما أبت إلى توحد مع الخلفية الصخرية للكون بما فيه من نتوءات وتجعدات حجرية، وكأنما تش هذه المرحلة الأخيرة باتساق فريد بين الألم والوداعة، بين المكابدة ولوعات العذاب وبين المقدرة على تصفية هذه اللوايح وتنقيتها وتقبلها لا الرضي بها، بل تجاوزها دون إنكارها.
ويشير الملف إلى الفنان رمسيس يونان قائلاً :من الصعب إن لم يكن من المستحيل، أن نفرق بين فن رمسيس يونان وفكره كلاهما ينبثق بقوة عن ذات مبدعة استطاعت أن توحد بينهما على نحو يكاد إعجازياً. ويردف المؤلف قائلاً : لقد اهتم النقاد ومؤرخو الحركة السريالية علاجاً أساسياً في فن رمسيس يونان، إبان تلك المرحلة الأولى، منها إحساسه المتوفر بالجسد البشري.
ويذكر المؤلف الفنان فؤاد كامل، الذي لم يكن ممن يتبع الخط التقليدي، كان دائماً ممن تستهويهم المغامرة الداخلية وأمانة الترجمة عنها، وسواء كان في مرحلته السريالية أو في طريق سفره نحو تجربته التجريدية الفريدة، فالمرحلة التجريدية عند فؤاد كامل هي ذروة إبداعه، التي ظهرت فيها يتم المغامرة والحرية والتحرر من الشكل أي «شكل» بالمعني التقليدي الجامد بغية الوصول إلى شكل جديد خاص بالفنان وحده، هو الذي يضع قانونه، من جديد كل مرة، هي القيم السائدة هنا، نري في لوحة لعلها من أولي لوحاته التجريدية، تعود إلى العام 1958.
حيث نجد لأول مرة نوعاً من موسيقية التشكيل من غير نمطية ولا قالبية، ومن هنا يكون قد بدأ البحث عن القانون الداخلي وراء الظواهر، أو كأنما فرض هذا القانون على تلك الظواهر، إذ نستشف بوضوح، وراء التجريدات شبه الهندسية وجهاً أنثوياً فيه مسحة جمال رومانسية معهودة، وإن كانت محاكاة «البورتريه «مفقودة تماماً، نظرة التأمل في هذا الوجه تنأي به على الفور، من مجرد استنساخ جمال معهود إلى استشراف أفق مجهول.
فنان طُهراني
ويقول المؤلف عن الشاعر التشكيلي أحمد مرسي، هو فنان طُهراني وأعني بهذا أن له أسلوباً نقياً، خالصاً من الشوائب قد نجد عكارتها اليوم في كثير من الأعمال ، فعند هذا الفنان ملامح أو خصائص ثابتة مستمرة من ناحية وتطور سواء في الرؤية الفنية نفسها أو في التكنيك، ومن ناحية أخرى فمن الملامح الثابتة منذ البداية أنه لم يهتم أبداً بالقواعد الأكاديمية في الفن، لم يعن بتقليد الطبيعة أو أن يعطينا «ما يشبه الطبيعة»، وبالتالي كان منذ البداية يهمل قواعد المنظور مثلاً، ولا يلجأ إلى خدع الإنارة، وإعطاء العمق الثالث، والتجسيم، والظلال.
ومن الخصائص عنده استخدام رموز أدبية أو شاعرية، والعمل على إدماج هذه الرموز باللغة التشكيلية البحتة، التي هي بالتحديد الألوان والمساحات والتكوين والإيقاع. أما الميزة الثالثة، التي يتميز بها عمله أساساً فهي مشكلة البحث عن الألوان الأصيلة، التي يسهم فيها مساهمة خاصة، أعني اتبرع ألوان، أو الوصول إلى ألوان معبرة، تلتصق به هو، التصاقاً حميماً، وتعطي رؤياه الخاصة.
وهنا أساساً أعتقد أن هناك تطوراً ملموساً يسير جنباً إلى جنب مع تطور في التكوين أو في تصميم اللوحة، ولنأخذ لوحة بعنوان «الثور» مثلاً ففيها أهم خصائص أو معالم فن أحمد مرسي، فنلاحظ أن اللوحة مكتظة، مزدحمة بمساحة لونية متفجرة، أحمر غامق، مع تنويعات دقيقة جداً وكثيرة جداً على الأحمر.
إن كان اكتظاظ اللوحة بالمساحة دون أن يعطي الفنان فراغاً كبيراً، أو ملحوظاً حولها يؤدي إلى إيحاء بشحنة ضخمة، ليست انفعالية فقط بل هي شحنة تشكيلية ناجحة وموفقة، ثم إن تصميم اللوحة، أو تكوينها يبدو لأول وهلة تكويناً بسيطاً يستمد الأقواس الدائرية بتشكيلات مختلفة في ظهر الثور وبطنه، وذيله، وأرجله، أي أن هناك تنويعات على جزء من الدائرة، وقد ظل أحمد مرسي على طول عمله، مهتماً جداً بالدائرة، وأجزائها، وتشكيلاتها، وبالخطوط الطولية النازلة العمودية تقريباً .
وفي وقت من الأوقات كان من أهم تجاربه تنويعات المثلث، وقد ظل مهتماً بها حتى الآن. ولا شك أن أحمد مرسي قد تمثل السيريالية، وجنح إلى التعبيرية، ونزع إلى عناصر تجريدية، هذا كله صحيح، وفي فنه ما يومئ إلى استيعابه للفن القبطي، وخاصة في لوحات الفيوم، وإلي معرفته بفن شامل، وبراك، وصراعه معهم، وخروجه من مجالداتهم إلى صياغات هي له وحده، لكن ذلك كله يدخل في تكوين كل فنان، كما تدخل «تأثيرات الحياة» .
ويشير المؤلف إلى النحات جمال عبد الناصر، الذي غامر مغامرة غير محسوبة النتائج إذ يضرب بجرأة في متاهات محكومة وعفوية معاً تنتسب إلى ما يمكن أن نسميه ما بعد الحداثة، فهو قد تخلي تماماً عن رصانة النحت، كما كنا نعرفه منذ دهور وضرب عرض الحائط بقيم الرسوخ والثبات والتوزيع المتسق للكتلة .
وتخلي تماماً عن «مادة» أو «مواد» النحت التقليدية، فإلي جانب رعونة منحوتاته أو قطعه الفنية وجنوحها إلى نزوات تشكيلية مختلفة الاتجاهات، وإلى مرح ألوانه فإنه يفيد من موادخام هي إلى الهشاشة والعرضية والقابلية للزوال أقرب، ما من طموح إلى التخليد أو إلى البقاء في وجه الزمن، كما كان الشأن في النحت قديماً وحديثاً، وليس من ثم صرحية لها صلف تحدي الفناء، بل نحن هنا بازاء قطع كأنها لعب أو دمي أو مسوخ .
فن راود الإنسانية ويقول المؤلف عن الفن القبطي، هذا الفن المصري أساساً هو حلم ظل يراود الانسانية منذ الأبد ويظل يراودها حتى الأبد حلم التماس مع المطلق مع ما وراء الواقع اليومي، وإن ظل حلماً يضرب بجذوره في الحياة بكل واقعيتها العميقة التي تنبع مما هو غير قابل، ولعل أهم خصيصة في هذا الفن هي امتزاج القدس بالأراضي، ولا أعني بذلك اهتمامه بمواضيع دينية فهذا شأن كل الفنون تقريباً فمنذ ما قبل التاريخ وحتى الآن، وإنما أعني أن الأراضي تتحول هنا إلى قدس وليس العكس ، كما حدث في عصر النهضة الأوروبي، إذ تحولت الشخوص والردئ القدسية إليزشخاص ومشاهد واقعية ملموسة ومجسمة.
وتمثل الفن القبطي الميثولوجيا اليونانية الرومانية في أكثر من مجال، فنجد هنا باخوس ديوينزيوس وسط أغصان وثمار الكروم، وهي في الغالب الحبات كاملة التدوير ومثلثة العناقيد، أما ديونيزيوس ففي عينيه نظرة النشوة الغائبة الخارجة عن هذا العالم ، إن مقاييس جسمه كما هو الشأن دائماً في هذا الفن - تخرج عن مقاييس العالم، وجهه المدور بنصف ابتسامة بوجنتيه الممتلئتين تحيل كل مساحة لوحة الحفر بالنقش البارز - أما جسمه الصغير فلا يكاد يبين، فقد ضاع بين أغصان الكرمة وعنا قيدها.
وأخيراً يتحدث المؤلف عن تقديس الكتابة قائلاً: إن تقديس الكتابة، وهي خصيصة مصرية مازالت قائمة منذ القدم حتى الآن، منذ أن ظهرت الكتابة المقدسة الهيروغليفية حتى القسم بالمصحف الشريف، الذي يجري على لسان كل مسلم حتى الآن .
ومن هنا فإن الحروف «القبطية - اليونانية» قد أورقت وأينعت ونمت لها أغصان وتشكيلات نباتية وهندسية أحياناً، كأنها من نباتات الجنة في عالم الأبدية .. ففي سياق تقديس الكتابة نجد أن زخرفة الأناجيل بالمثمنات، التي تحتوي على الصلبان، والأطر المزدانة بزخارف متشابكة نباتية تجمع بين حيوية النبات وهندسة «الأرابيسك» ما لا يكاد يختلف عن زخرفة أو تقديس المصاحف القرآنية في العصر المملوكي.
وليست تلك وحدها من الموروثات والتصورات المصرية القديمة، التي احتفظ بها الفن القبطي، فلعل أهم ما يثير التأمل في ذلك السياق كله هو تصوير الشخوص والكائنات بكسر قواعد المنظور وتمثيل الجسم بالمواجهة، فالغالب باستمرار هو هذا الحضور من غير احتفال بالإسهام الواقعي أو المحاكاة الطبيعية «الأرسطية» الغريبة تماماً عن العقلية المصرية.
القاهرة ـ أيمن رفعت
