الخيول الشامخة المرسومة بألوان الباستيل، الملامح التي تتفجر بثقة من عمق خلفية سوداء، كل هذا وغيره ميز أعمال الفنان الإماراتي عبدالله العامري، وكانت هذه بداية أعماله التي عرفه الناس بها، لينتقل من بعدها إلى التعامل مع تقنيات جديدة مما أفرز أعمالاً مختلفة عن ما قدمه من قبل.

لوحات مشبعة بالشفافية والتلاشي فرضتها طبيعة الألوان المائية، ومع هذه الألوان بدأ العامري ينتقل إلى مواضيع أخرى مما منح تجربته تغييرا جذريا. عرض العامري أعماله داخل وخارج الدولة وشارك في بيناليات مختلفة، كما حاز على جائزة أفضل عمل فني في الدولة من جائزة العويس للعام 1969.

أما عبارة فنان تشكيلي، فلم تكن كل شيء يميز العامري، ولهذا يأخذ الحديث مناحي مستوحاة من طبيعة منصبه مديراً لمؤسسة الثقافة والفنون في المجمع الثقافي. ومن هنا كانت بداية الحوار معه تحديدا من معرض آرت باريس الذي تم الإعلان عنه مؤخراً.

* هناك نشاطات كثيرة تنظمها الهيئة آخرها الإعلان عن معرض آرت باريس كيف تنظر له كمسوؤل وما الفائدة التي تتوقع أن يعكسها على الصعيدين الجماهيري والفني؟

ـ في البداية تشهد إمارة أبوظبي مجموعة من الأحداث المكثفة، التي سوف تقدم للساحة الفنية مستوى معيناً من الأعمال الفنية، والمحاضرات بهدف الارتقاء بالمستوى الثقافي للجمهور والفنانين معا.

الفنانون من خلال مشاركتهم في أحداث عالمية وهذا ما تطمح إليه الهيئة، بحيث تربط الفنانين بحركة المعارض الفنية العالمية، فتوفير معارض عالمية يحدث للمرة الأولى في الإمارات، وهو جزء مهم من اتفاقية آرت باريس.

*كثرة المعارض التي أقيمت في الآونة الأخيرة هل تعتقد أنها ستنعكس على أعمالك الفنية بالأخص ما يتعلق بالمجال التقنيات؟

ـ المشاهدة جيدة لأجل التغيير في التقنيات، ولكن بدون تطبيق تقود إلى النسيان، والخبرات التي تكتسب يجب أن ترتبط دائما بالعمل الفني، فالمشاهدة أو القراءة لا تؤدي للارتقاء بمستوى الفنان بدون ترجمتها إلى عمل. لكني أعتقد أن الاختلاف لن ينعكس في فلسفتي كطرح ثقافي وفكري.

* شاركت قبل أكثر من سنة مع مجموعة (رواد) في معرض مشترك هل تحدثنا عن هذه التجربة؟

ـ تجمع (رواد) شمل مجموعة من فناني البورتريه، وأقمنا معرضا مشتركا في المجمع الثقافي في أبوظبي وفي الشارقة، ولكن مشكلة الجماعات تعاني من عملية من عدم التزام بعض الفنانين بنشاط بعضهم الآخر مما يؤدي أحيانا إلى الانفصال.

* كانت لك تجربة مهمة مع الألوان المائية بعد أن قدمت أعمالا فنية نفذتها بألوان الباستيل أوالزيتي؟

ـ للألوان المائية خصوصيتها وجماليتها، ورغم ذلك فعدد رسامي الألوان المائية محدود جدا وذلك لصعوبتها، وتجربتي مع الألوان المائية تعد مرحلة جديدة خرجت منها بمجموعة كبيرة من الأعمال، التي ابتعدت من خلالها عن أعمال البورتريه، بعد أن اكتشفت أن البورتريه لا بد أن تقف عند حد معين، لذلك كان لابد من التغيير والعمل على مواضيع مختلفة، وجاءت الألوان المائية وسيلة.

* رسمت البورتريه بكثرة كما عبرت وجوه الخيول التي رسمتها عن الأنوثة، فكيف تقيم تجربتك مع البورتريه ؟

ـ رسم الوجوه يبرز قوة وتمكن الفنان، ورسمت بكثرة وجوها لخيول عبرت من خلال ملامحها عن الأنوثة، كما رسمت وجوه العديد من الشخصيات، وفيها نقلت إحساسي للمشاهد سواء في وجوه الإنسان أو الخيل، فمن خلالهما أعبر عن الجمال، وأعكس أنسنة الخيل التي تدل على المرأة، وبهذا جسدتها رمزا و الرمز عادة ما يلجأ إليه الفنان في أعماله.

* كيف تنظر إلى تجربة فناني البورتريه بعد أن وصلنا إلى العصر الذي ساد فيه التصوير الفوتوغرافي؟

ـ كان الاختلاف واضحا في تجارب الفنانين وانتمائهم للمدارس فنية، مثل الانطباعية، والتأثيرية، والرومانسية، وهذا الاختلاف أوجد نوعا من الغنى والتنوع، وهو ما يبرز جمال الأشياء، لكن الفوتوغراف لا يمكن أن ينافس، فهناك اختلاف كبير ما بين اللوحة، و الصورة الفوتوغرافية التي لا تقدم إلا الإحساس البارد، رغم وجود البرامج المتنوعة، بينما يبقى الإبداع البشري مختلف كليا.

* من واقع خبراتك الفنية ما هي المتابعات التي يحتاج إليها الفنان بين فترة وأخرى كي يعزز تجربته؟

ـ يحتاج إلى متابعة مستمرة للمعارض داخل وخارج الدولة، بكل ما فيها من اتجاهات جديدة، إضافة لمتابعة ما يحدث في الساحة المحلية والعالمية، فعدم الاطلاع يجعل الفنان معزولا عما يجري من حركة التغييرات السريعة.

والاتجاهات التي تشبه الفقاعات مثل الفيديو آرت، والكليب آرت وغيرها، إن الاختلاف سنة الحياة، لكل زمن آذان ولكل وقت كذلك، ورتم الحياة في هذا العصر سريع الإيقاع في كل شيء، وهذا ما جعله ينعكس على عملية ظهور الاتجاهات وتغييرها السريع في الفن وفي كل المجالات، لقد ظهرت مدارس لم تكن مقبولة من قبل، إنه التغيير الزمني، والفني سمة العصر.

* ساهم في زيادة نشاط الحركة الفنية المحلية العديد من الفعاليات مثل مزاد كريستيز الذي برز اسم الفنان الإماراتي عبد القادر الريس ما الذي تقدمه هكذا فعاليات إلى الحركة الفنية المحلية؟

ـ مزاد كريستيز وعملية البيع ستنعكس على تسعير اللوحات مما يساهم في ارتفاع أسعار اللوحات الفنية، وينعكس على مقتني اللوحات وبالتالي على الفنانين، لكنه في المحصلة يضع تسعيرة للأعمال على خريطة التسعيرة الدولية، ودخول الفن المحلي في تسعيرة كريستيز، يشجع الكثيرين أن يشقوا طريق الفنان عبد القادر الريس، وهناك مقتنون للفن، وهذا ما سيغير خريطة الأسعار والحركة.

* هل هناك خطة ستتبعها الهيئة لإصدار كتب تناقش عدداً من القضايا الفنية؟

ـ هناك برامج ومشاريع تبنتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ومنها مشاريع الترجمة في جميع المجالات، وهذا ما يثري الساحة فنيا وثقافيا، إلى جانب العديد من المحاضرات التي سوف تشجع الكتابة في المجال الفني، وتناول بعض الموضوعات المحلية والعربية، وتقديم العديد من الدراسات النقدية، تتناول الفن أو المجلات الأدبية الأخرى، بهدف الإلمام بكل الجوانب ودفعها إلى الأمام.

* ما أبرز عناوين المشاريع المستقبلية لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث؟

ـ تقسيم المعارض التي تهدف إلى استقطاب معارض من الدول العربية بحجم معرض آرت باريس، واستقطاب أعمال متحفية فنية من دول لها تاريخها العريق مثل الأرميتاج واللوفر، وسيتم هذا تباعا قبل انتهاء مشروع المتاحف المقرر إقامته في جزيرة السعديات، لأنه علينا العمل على توفير التنوع الثقافي، ودعم الحركة الفنية دون انتظار اكتمال العديد من المشاريع.

*هل تكتمل جميع المشاريع بفترات متقاربة ؟

ـ الزمن متفاوت بينها فمثلا أتوقع أن تظهر نتائج بيت العود العربي بسرعة، هذا المشروع الذي نقصد من إطلاقه رفد إمارة أبوظبي بآلة عريقة من أهم الآلات العربية، في محاولة لتوفير عازفي عود محترفين، بمستوى فنانين يدعمون الحركة الثقافية وفق منظومة مختلفة الاتجاهات الفنية أو الثقافية.

حوار: عبير يونس