أقامت صالة أوروبيا معرضا للفنان السوري منهل عيسى طيلة شهر يونيو الماضي في مدينة باريس، حيث يعرض عددا من اللوحات الصغيرة والمتوسطة الحجم. يقدم الفنان من خلال هذه اللوحات نماذج جديدة من تجربة فنية تزداد خصوصية من معرض إلى آخر.
عندما نقف أمام لوحة للفنان منهل عيسى نجد أنفسنا أمام تحفة فنية ذات طابع مختلف تماما فهو لا يتبع لأية مدرسة فنية ولوحاته تعبر عن عفوية واضحة سواء في اختيار مواضيع الرسوم أو الألوان. وهنا فإن الفنان يشكل لوحاته بالحرية التي يصور بها حركة رسوماته، تلك الرسومات نراها تنقل لنا تموضعات مجموعات من الأشخاص رسمها على شكل حيوانات في مواقف مختلفة وطريفة. ففي اللوحة الأولى التي وضعها على غلاف دليل المعرض نرى حيوانا، ربما الفهد، في لحظة القنص، تلك اللحظة التي اصطيد فيها وهو يقفز في الهواء بحركة أقرب إلى الحقيقة من الخيال.
أما الألوان فهي تتراوح في تمايزها بحسب حركة الحيوان فالأجزاء التي تبدو فيها غامقة تعبر عن ثبات جزئي أما التفاصيل اللونية غير الواضحة فهي تدل أن الفنان أراد رصد تلك الأجزاء بعفويتها تاركا للناظر الحرية في تخيل الحركة في تلك اللحظة. وهكذا فإننا نرى أن اللون الأحمر يملأ الشطر الأعلى للوحة مما يرمز للون الدم الذي تشظى لحظة تلقي الحيوان رصاصة في جسده.
ليس للجمال موطن فاللوحة الفنية تحاكي من يتذوق تفاصيلها مرسلة إياه إلى عوالم جميلة متخلية وهنا في لوحات الفنان بمسحاتها الفنية الفريدة توحي لناظرها بخصوصية معينة يريد بها أن يدخل إلى عالم الحيوانات بطريقة أخرى غير التي نعهدها فهو لا يرسم شخوصه الحيوانية في سياقها التقليدي فلا نرى أي إيحاء لغابة أو قفص أو كل ما يمكن أن يرافق هذه الأشكال الحيوانية، بل إن الناظر إليها يعجب بالعفوية التي تميز حركتها حتى أنها تموج في عالم غرائزي ذي إيقاع حركي تسر له العين وتختلج له النفس. إنما تعبر تلك الرسوم عن الاندفاع الغريزي لدى البشر في تحركاتهم وعلاقاتهم فيما بينهم.
أما عن الفضاءات التي اختارها الفنان كحيز مكاني للأشكال الفنية التي يرسمها فهي لا تحدد بمكان معين تاركا خلفيات لوحاته تتماوج مع مزيج لوني يأخذ الناظر إلى أفق بعيد غير معرف ومن هنا فإنه لا يهدف إلى رسم تلك الأشكال ضمن فضاء مكاني زماني محدد الأبعاد. والحال أن تلك الفضاءات تبدو مختلفة في كل لوحة تبعا لكثافة الألوان الممزوجة في مركز كل واحد منها بحيث تظهر كامتداد لحركة اللوحة الداخلية.
إذا كان الفنان يرسم بريشته أشكالا على لوحات فإنه يرسم أيضا حركات وكلمات تخرج من تلك اللوحات، هذه هي الحال في لوحات منهل عيسى الذي يرسم بديناميكية متفجرة أشكالا بشرية تفيض بالحياة فالتباينات في درجات الألوان المختلفة تجعل الناظر يتساءل عن ماهية ذلك التدرج وعن المعاني التي شاءت ريشة الفنان أن تفجرها.
ففي لوحة «لعب في الفضاء» نرى ثورا يقفز مع الريح كأنه طائر يرقص من الفرح في نشوة لا تخفى عن الناظر، وفي منتصف جسد ذلك الثور يستخدم الفنان ألوان فاتحة حتى أنه يترك فراغات بيضاء بينها ربما توحي لسطوع ألوان أخرى عليه أثناء قفزه كما أن هذا الثور يظهر بقرن واحدة أما الثانية فربما أنها تختفي نظرا لحركته الاندفاعية في الهواء.
إن هذه اللوحات تحاكي عالم البشر الغرائزي وتطرحه كوجود فعلي كأن الفنان يريد أن يشاركنا هذا الوجود الحيواني الذي غالبا ما تكترث له عين الناظر، إنه يضعنا أمام إشكالية الحركة لدى هذه الشخوص الحيوانية فينبهنا إلى أهمية تنقلها في الفضاء الخيالي والحي. يرسم الفنان هذه الشخوص ليدعونا للتفكير فيها، إنها تفيض جمالا وهي ترسو على مسرح الحياة بكل ما تنطعت به من تفاصيل جمالية.
ربما أن الفنان لا يريد أن يكتفي برسم حيوانات بحد ذاتها بل يريد أن يوحي أن عالم البشر أصبح يتصرف على وجه يماثل عالم الحيوانات فبذلك تأتي شخوصه حيوانية الشكل بشرية لمضمون، إنها من عالمنا فالبشر غالبا ما يتصرفون بشكل حيواني مع نظرائهم.
على سبيل المثال نرى في لوحة «الماكر» حيوانا له رأس بشري يقف خلف صخرة منتظرا مرور فريسته أمامه وهو يتجهز للانقضاض على تلك الفريسة، وهنا فإن هذه اللوحة تجعلنا نتساءل: ألا يرقب الإنسان أحيانا ساعة الانقضاض على أخيه الإنسان؟
والفنان منهل عيسى من مواليد مدينة طرطوس 1969 خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1995 في التصوير الزيتي، حاصل على دبلوم في الدراسات العليا في الفنون الجميلة أكاديمية فرساي عام 2003 وماجستير في الفنون الجميلة من جامعة باريس الثامنة 2006. شارك في العديد من المعارض الجماعية، وأقام العديد من المعارض الفردية في سوريا وفرنسا.. حاز على الجائزة الأولى للمعرض العالمي التاسع للحصان في مدينة سومور (فرنسا) عام 2001، ثم الجائزة الأولى في صالون الربيع في Lion's club في مدينة أنجيه عام 2001، والجائزة الكبرى لصالون الربيع Lion's Club على مستوى فرنسا في مدينة نيس عام 2002.
باريس ـ منتجب صقر
