خمسة عقود أعقبت مرحلة التأسيس المهمة في الرواية النسوية العربية.. هذه المرحلة التي هدمت جدار العيب والممنوع، وتلمست هموم المرأة، وواقعها، ومعاناتها، وطموحاتها، ورفضها للقيم الذكورية المهيمنة.. ولكن لماذا اقتصرت أكثر إبداعات المرأة العربية على معاناتها الخاصة، متخذة من (الجسد) محوراً مفضلاً، وحدوداً جغرافية تمارس فيه حريتها، وتعبر عن تمردها، عبر جرأة انتقادية واضحة على نحو ما رأيناه في كثير من الكتابات؟ وماذا عن علاقتها بالرجل والمجتمع؟ ولماذا الركض وراء الشهرة السريعة؟
على هامش ملتقى الشارقة الثاني للقصة، الذي اتخذ القصة الخليجية النسوية الجديدة محوراً له، التقت «البيان» الأديب البحريني عبد القادر عقيل، فأوضح إن النجاح الذي حققته الروايات، التي استندت إلى موضوع (الجسد) أقنع الكثير من الكاتبات أن (الجسد) وصفة سحرية ومثالية للشهرة السريعة، مما خلق ردة فعل عنيفة في مجتمعات محافظة تسيطر عليها الذهنية الذكورية.
خاصة أن هذه الكتابات تذكرنا بكتابات الفرنسية هيلين سيكسوس، التي تشدد في مقولاتها على ضرورة أن تنصرف الكتابة النسائية إلى الجسد، بل والاقتصار عليه، داعية الكاتبات إلى وضع أجسادهن في كتاباتهن. وساهم في ترويج هذه الكتابات وجود دور نشر عربية تبحث عن الربحية والكسب السريع وتركز على نشر وتسويق الكتاب الخليجي، والسعودي تحديداً، والنسوي على الأخص.
ومن الملفت للنظر أن من بين مجموع الروايات السعودية التي صدرت منذ منتصف التسعينات إلى اليوم توجد 65 رواية سعودية كتبت بأقلام نسائية، منها 20 رواية صادرة في عام 2006.
ـ هل يمكن أن نطمئن إلى سيل الروايات التي تصدر هذه الأيام، وتأخذ طريقها إلى الانتشار والشهرة، لمجرد أنها تنبش في خفايا الرغبات والعلاقات الجنسية، وتعرض لأدق الخصوصيات، رغم ما يعتور بعض هذه الكتابات من وهن وشح في التقنيات السردية، واهتمام واضح بالجسد على حساب البناء العام للعمل الفني؟
ـ ربما علينا أن نشك كثيراً في ما نرى وفي ما نسمع، خاصة وأن هناك كتابات مهمة لمبدعات خليجيات ذات قيمة فنية عالية لم تطبع أعمالهن أكثر من طبعة واحدة فقط دون ضجيج واستنفار إعلامي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: بثينة العيسى، وميس العثمان، واستبرق أحمد، ورجاء عالم، وبدرية البشير، وأميمة الخميس، وفاطمة محمد، ومريم فرج جمعة، ودلال خليفة، ونوره محمد فرج، وسعاد الخليفة، وهدى الجهوري.
هناك ملاحظة أخرى: فعلى الرغم من أن العنصر النسائي هو الأكثر حضوراً في المشهد القصصي الخليجي، وهناك زيادة مطردة في عدد الكاتبات في مجال الرواية والقصة القصيرة والشعر وسيناريوهات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، إلا أن معظم، ولا أقول كل، النماذج المطروحة في هذه الكتابات لم تتحرر بعد من عقدة الأنوثة، أو من المبالغة في وصف المرأة المغبونة المظلومة من قبل الذكر.
ولا تزال هذه الكتابات تواصل تقديم نماذج لنساء تعاني من قهر وإذلال الرجل (أباً وأخاً وزوجاً وحتى حبيباً)، وانعدام المساواة بين الجنسين في مجتمع ذكوري مهيمن يتمثل في العشيرة والقبيلة والعائلة والمجتمع، كتابات تطلق عليها الكاتبة العمانية فاطمة الشيدي اسم «الذات الدانتيلية»، فهي تطرح نماذج نسائية لا تصلح لخوض غمار الحياة، ولا تفهم سوى السطحي والهامشي من الأمور، فهي بدلاً من أن تحاكم الواقع السياسي والاجتماعي والفكري تحاكم الرجل، بوصفه غريماً مستبداً وخصماً قوياً، والمعركة تدار من منطقة صدامها الأزلي وتحديها للرجل.
فبدلاً من أن تتحرر المرأة، من خلال النضال من أجل تحرر المجتمع كله، تسعى للتحرر من الرجل الذي يكبلها بقيوده، رغم أنه في الواقع لا يتمتع بأية حقوق يحسد عليها، وهذا مفهوم خاطئ يريدنا أن ننظر إلى الأدب الذي تكتبه المرأة باعتباره مختلفاً ومنفصلاً عن الأدب الذي يكتبه الرجل، مما يهمش دور المرأة، ويلغي كل ما تمثله من فكر إبداعي وإنساني.
ـ ما انعكاسات الواقع بتناقضاته السياسية والدينية السلبية على المرأة وخاصة بما يحمل معه يومياً من احتمالات تنذر بالسوء ؟
ـ المرأة لا يمكن أن تكون حرة في مجتمع لا تتوفر فيه الحرية للجميع، كما أن حرية المرأة لا يمكن أن تحدث دون الدفاع عن حقوق ملايين النساء المضطهدات في المصانع والمؤسسات والإدارات والمنازل والأحياء الشعبية، ومن دون تلمس آلامهن وهمومهن ومعاناتهن اليومية من أجل لقمة العيش.
إننا نعيش واقعاً محبطاً لم نعرف له مثيلاً في كل تاريخنا الحديث، ونشهد تراجعاً مخيفاً في النظرة إلى المرأة والثقافة، مصحوباً بإعياء حاد في العقل العربي، وضعفاً شديداً في الحركات النسوية، التي كانت جزءاً من حركة تحرر وطنية واسعة، وتحولت إلى حركات دفاعية، تحاول أن تحافظ على مكتسباتها التاريخية الضئيلة.
ويزيد الوضع قتامة ورعباً تنامي وهيمنة تيارات أصولية متشددة تجتاح المنطقة كلها، وهذا بالتأكيد يمثل خطراً على المرأة والمكتسبات التي حققتها خلال العقود الخمسة الماضية، فالمرأة بالنسبة لبعض هذه التيار سهم إبليس الذي يرمي فيه فلا يخطئ لذا يطرح بقوة منع الاختلاط في الجامعات والمدارس، ويقف بشراسة في وجه القوانين التي تمكن المرأة من الوصول إلى البرلمان، وفي الوقت نفسه يصادر الفكر ويمنع الكتب ويحاكم الأدباء والشعراء والمثقفين بتهم التخوين والتأثيم والتكفير والردة.
ويمتد تأثير هذا التيار الأصولي في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العربي فهناك فتاوى غريبة بعيدة عن جوهر ومضامين العقيدة الإسلامية السمحاء تنتشر وتجد من يصدقها ويعمل بها، فمن إجازة جرائم الشرف التي تعصف بأرواح عشرات الفتيات، وفي حالات كثيرة تتم تصفيتهن لأسباب متعلقة بالميراث أكثر من ارتباطها بالشرف إلى «زواج الدم» و«زواج المصحف» و«زواج الانترنت» و«الطلاق عبر الرسائل النصية» إلى غير ذلك من آراء وأقوال.
وفي موازاة تنامي هذا التيار الأصولي المتشدد الذي ينشر ثقافة كراهية الحياة وثقافة قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث وهناك استشراء غير معهود في المنطقة كلها لثقافة المول والهايبرماركت والفضائيات الهابطة حيث يتم التعامل مع المرأة بوصفها كائنا استهلاكيا بحتا.
ثمة أجيال تنشأ وترتبط بثقافة المولات والهايبرماركت التي تتطلب أجواء انفتاح وحرية حيث المرتادين من كافة الشرائح والأعمار والطبقات في مكان واحد يجمع الجميع ويقدم الماركات العالمية ومطاعم الوجبات السريعة والمقاهي والكوفي شوب ودور السينما الفاخرة.
ـ ماذا عن دور وسائل الإعلام في تكريس الجسد والشكل على حساب المضمون، خاصة مع انتشار الفضائيات السرطاني؟
ـ هناك 325 قناة فضائية عربية و886 قناة يستقبلها الوطن العربي دون تشفير، وحجز مساحة على القمر الصناعي يصل إلى 350 ألف دولار في السنة، ولا يحتاج إلا لجهاز بث و3 موظفين.
لتأكيد قولبة المرأة إلى كائن استهلاكي تتنافس المجلات النسائية المتعددة الأشكال والأنواع والتي تطبع بطبعات فاخرة جدا، ومثخنة بالإعلانات التجارية الملونة في تقديم العالم السحري الخاص بالمرأة العصرية المستهلكة والمتمثل بالمجوهرات والأناقة والعطور والديكورات الفاخرة والرشاقة والأبراج والحظ وكل ما تريد ان تعرفه عن عمليات التجميل بكل أنواعها، ولكل مناطق الجسد.. كل الاهتمام يتركز على أنوثة المرأة المستهلكة وإغفال قدراتها كإنسانة ومواطنة.
في الفضائيات المرأة عبارة عن جسد جميل، يستغل بصورة مهنية في الإعلانات التجارية، وفي تصوير الفيديو كليب، المرأة تتحول تارة إلى برتقالة، ومشمشة، ورمانة، وتفاحة، وفراولة.. مع التمدد السرطاني للفضائيات العربية كل شيء مباح وممكن.. السحر الأسود الذي كان يجري في الأوكار المظلمة انطلق إلى العلن عبر الفضائيات المتخصصة، وتشير دراسة ميدانية حديثة قام بها الدكتور محمد عبدالعظيم بمركز البحوث الجنائية في القاهرة إلى أن هناك زهاء 300 ألف شخص في مصر يدعون علاج الأمراض بتحضير الأرواح وأن 250 ألفاً أي ربع مليون دجال يمارسون أنشطة الشعوذة في عموم الدول العربية.
وأن العرب ينفقون زهاء 5 مليارات دولار سنويا على السحر والشعوذة، وأن نصف نساء العرب يعتقدن بفعل الخرافات والخزعبلات، ويترددن على المشعوذين سراً وعلانية، في ظل كل هذا لا بد من وقفة أساسية تعيد فيها المرأة المثقفة والأديبة أولويات القضايا التي تطرحها باتجاه صياغات جديدة متحررة من عقدة «الذكورية والأنثوية» ومن سيطرة الجسد ومن تكرار فصول الحرب العبثية الموهومة بين الرجل المتسلط والمرأة المظلومة.
إضاءة
الأديب عبد القادر عقيل من مواليد المنامة 1954، روائي، كاتب قصة قصيرة، كاتب قصص أطفال، مترجم. رئيس الشؤون الثقافية بإدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام، مدير تحرير مجلة (البحرين الثقافية ) الفصلية الثقافية التي تصدر عن وزارة الإعلام ساهم في تأسيس المجلة الفصلية (كتابات ) التي صدرت عن مؤسسة دار الغد للنشر والتوزيع في عام 1976 وتولى إدارة تحريرها حتى عام 1984.
ساهم في تأسيس مجلة (كتابي) للأطفال، وفي تأسيس المجلة الفصلية (كلمات) التي صدرت عن أسرة الأدباء والكتاب في البحرين في عام 1986 له العديد من الأعمال القصصية للكبار والصغاروالعديد من الدراسات النقدية والمقالات الصحافية.
حوار: محمود أبوحامد
