الحكاية العربية، هي التي بدأت من الرواية الشفهية، وانتقلت إلى مرحلة الكتابة، في زمن الحواضر الإسلامية، وبخاصة بغداد العباسية التي كانت مدينة، بالمعنى المعاصر للمدينة، اجتماعياً وثقافياً.
ومن قرأ الديارات للشابشتي والرسالة البغدادية لأبي المطهر الأزدي مثلاً، لان قائمة مثل هذه الكتب طويلة جداً، أدرك معنى قولنا: (بغداد التي كانت مدينة، بالمعنى المعاصر للمدينة)، وإذا كان الاهتمام بمرويات أيام العرب، بدأ مبكراً في العاصمة الأموية دمشق، فإن الحكاية التي هي نتاج المدينة، بأحداثها وأبطالها وتعدد مصادرها، بل وتعدد أغراضها، وتوزع انتمائها إلى التاريخ والأدب والحكمة والتسلية، في ان واحد، قد اقترن حضورها ببغداد القرنين الثالث والرابع الهجريين، والى هذا يشير جان سوفاجيه وكلود كاين في كتابهما مصادر دراسة التاريخ الإسلامي: (إذا نظرنا إلى كثير من معاجم التراجم وسير أعلام الإسلام، وجدناها في شكلها ومضمونها اقرب إلى المؤلفات الأدبية، منها إلى الكتب التاريخية).
ان هذه الملاحظة، تعيدنا إلى (ديوان العرب) ليس على صعيد الاستشهاد بالشعر لصالح التاريخ حسب، بل في الروايات التي بدأت شفهية، ثم كانت مادة أساسية لمؤرخي الأدب، وهذه الروايات طالما اقترنت بكل قصيدة وبشاعرها، ومن ثم تسللت إلى كتابات المؤرخين.
اعني بالحكاية،تلك التي نشأت في أوساط المجتمع المدني، ووصلت إلينا عن طريق كتاب موهوبين ومؤرخين بارعين، كالجاحظ وأبي حيان والمسعودي والقزويني، وهنا اقترح مراجعة كتاب (مجتمع ألف ليلة وليلة) للدكتور محسن الموسوي، الذي اجتهد في تحقيق بعض هذه الحكايات، مفتتحاً هذا الجهد بقول ابن النديم في (الفهرست): كانت الأسمار والخرافات مرغوباً فيها في أيام خلفاء بني العباس.
وبدأ بالإشارة إلى الحكاية التي رواها أبو حيان في (الإمتاع والمؤانسة) عن قينات وشواعر بغداد، وما ذكره الجاحظ عن كسرى ابرويز في (التاج في أخلاق الملوك) وحكاية زواج الشاب البغدادي ومملوكة أم المقتدر في (تزيين الأسواق في أخبار العشاق) لابن الجوزي، وحكاية الطفيلي للمسعودي في (مروج الذهب) وما كتبه الجاحظ في (المحاسن والأضداد) نقلاً عن رواية السجستاني، عن الرشيد، وهذه الحكايات دخلت مرحلة الكتابة، متجاوزة المرحلة الشفهية، بأقلام عمالقة الكتابة العربية ممن أشرنا إليهم.
كما ظهرت في كتبهم، فتأثرت الحكايات المكتوبة، بمادة الروي الشفهي، لان (اختلاف روايات الحكاية (الواحدة) تعبير عن حمولات في طرائق السرد، والحياة التي تتنوع وتتشكل بتنوع الرواة والمجتمعات والقبائل والتجمعات الصغيرة وفردية الراوي) كما ذهب إلى ذلك احمد راشد ثاني، لكن بهذه الكتابة ظهر جنس جديد من أجناس الكتابة العربية، بقدر ما يمت بصلة إلى جدته الرواية الشفهية، ينفصل عنها ويؤسس سلالته الخاصة.
يقول غونتر غراس: (الإنسان الأول كان يروي قبل أن يتعلم الكتابة ويخترع الأبجدية)، وصرنا نعرف الآن بما يقترب من اليقين، ان تلك الروايات وفي جميع المجتمعات والثقافات هي بذرة غابة السرد، بأجناسها وتقنياتها وتجاربها، ومن الطبيعي أن تكون الحكاية العربية، هي التطور المكتوب للرواية المحكية، غير أن هذا يقودنا إلى سؤال، هو الذي فتح لي باب الكتابة عن هذا الموضوع، والسؤال هو، لماذا لم تواصل الحكاية العربية المكتوبة حضورها وتطورها؟
ولماذا غابت لعدد من القرون ولم تظهر إلا في أهاب القصة، بمكوناتها وتقنياتها في حواضنها الأولى مبتعدة عن خبرات جدتها وخصوصياتها؟ ثم كان على القصة العربية أن تنتظر ما يقرب من قرن، لتتذكر تلك الجدة، بتأثير اكتشاف جدات أخريات في ثقافات ولغات أخرى، في السرد الآسيوي واللاتيني، وان مثل هذه العلاقة، كانت من بين أسباب العالمية، وهنا صرنا نستعير منهم بعض ما كانوا استعاروه منا، كما هو الحال مع مؤثرات ألف ليلة وليلة.
لا شك ان الحكاية المكتوبة في تراثنا العربي، تختلف عن القصة القصيرة، فهي لا تتصنع ولا يحفل كاتبها بالنهايات، ويتقدم فيها الحدث على الشخصية، لكن هذا الاختلاف ما كان ليجردها من فرص التطور والتأثير، وقد كان مجتمع المدينة العربي على شغف بها، ويعدها من أنواع اللهو الراقي، كما أشار إلى ذلك التوحيدي والأزدي.
غير أن موقفاً جد سلبي منها، حال دون الإفادة منها، كان هو الذي يوجه ذائقة الكاتب والمتلقي، واذكر على سبيل المثال محاولة من هذا القبيل، أقدم عليها جعفر الخليلي، قوبلت بالسلبية وعدم إدراك جوهر تلك المحاولة.
حميد سعيد