في الزحام نبحث عن أنفسنا فنكتشف ما بداخلنا نبحث عن الفرصة فتتحول إلى مُغالبة وصراع مؤلم.. نتيقّن يوماً بعد آخر أن الغياب عن المشاركة يوازي الظلمة والظلام، والشاهد أن القمر حين يغيب تتساوى الأشياء كلها.. الجميل والقبيح.. المعقول والجنوني.. السوي والمريض.. الممكن والمستحيل، فطالما سارت مراكبنا بدون رُبّان العقل والمنطق، سنضيع في الأمواج العالية، وستجرفنا البحار.
يخيل إلي أن المثقف العربي مُحاصر بين الأمواج لا يعرف الشاطئ، وليس لمراكبه مرساة !!. حال المثقف العربي من حال المجتمع.. له وشيجة لا تنفصم مع إخفاقات النخب التي استمرأت بقاء الحال على ما هو عليه، فكأن الأرض لا تدور، وكأن السماء لا تتغير، وكأن الأمس هو اليوم، واليوم هو يوم غد!
هذا نسميه بلغة التاريخ البقاء في ما عرفناه دون تغيير، لكن التغيير لا يستأذن أحداً، والأرض تدور كل يوم، شاء من شاء، وأبى من أبى، والأيام حبلى وتلد جديداً كل ساعة، فلماذا الإصرار على مفارقة التاريخ والحقيقة، والاستمرار في ديمومة الثبات؟!.
تعلمنا قوانين الطبيعة ان الظواهر محكومة بالتحول والتغيير، وأن هذا التحول والتغيير لا يلغي جوهر المواد والكائنات بل شكلها، والإنسان عندما يتأمل مثل هذه القوانين الطبيعية يضيع في متاهة الزحام، فعقله غير قادر على متابعة التفاصيل الدقيقة، وقلبه قد لا يستوعب هذه المتغيرات السريعة كالعواصف، ولهذا نستبدل الحيرة بالسكينة، والبحث بالاسترخاء، والتأمل بتغييب العقل.
المثقف العربي في القلب من هذا المشهد، وهو لا يعاني فقط من ثقافة العلاقة بالبيئة والطبيعة، بل أيضاً من انكسار العلاقة بالنخب السياسية القاهرة له، والمهمشة لدوره. هذا كلام يتعلق بالمشهد العربي العام مع وجود بعض التفاصيل الإيجابية هنا وهناك، فالتعميم لا يلغي الخصوصيات، وليس كل مافي الصورة قاتم.
هنالك إضاءات ولمعات تتوزع وسط لوحة السواد والدكنة، لكن الأمل في انتشار الضياء يظل قائماً، فخلال السنين والعقود الماضية جرت حوارات بناءة بين المؤسسة والمثقف، وكانت تلك الحوارات تستهدف ردم الفجوة بين الطرفين وإعطاء الثقافة فرصة الريادة في قراءة المستقبل ووضع محدداته، وبالطبع كان لابد للمؤسسة ان ترتقي بعقولها وأن تُدار من نخب تعيش عالم المعرفة والفكر، وهذا ما تم بعض الأحيان، لكن المشهد الغالب والمُسيطر ظل كمألوف عهده..
مشهداً تغيب فيه الذاكرة النيرة، وتتحول فيه المؤسسة الثقافية إلى إطار وظيفي عملياتي لبعض النشطاء المخلصين، ولكن الفاقدين للنظر والبصيرة. تلك الحقيقة تضعنا أمام استحقاق لا مفر من دفعه، ويتلخّص هذا الاستحقاق في ضرورة الفصل بين النشاط الثقافي والذاكرة المعرفية التي تخطط لهذا النشاط، ويمكننا أن نضرب مثلاً واحداً فقط يتعلق بالجوائز الثقافية والإبداعية في الدولة، وحتى لا أُعلق على ذلك اترك الأمر للقارئ وتقديراته حتى يصل إلى قناعة حول الإخفاقات الكبيرة لسلسة من تلك الجوائز، لأن القائمين عليها نشطاء ومخلصون، وليسوا مثقفين يتمتعون بذاكرة معرفية موسوعية.
مثل هذا التعميم قد يجر إلى ردود أفعال نتحسب لها، وقد يعتقد البعض أن لنا مقاصد للإشارة إلى أسماء بذاتها، لكن هذا ليس صحيحاً، فتلك الظاهرة السلبية في إدارة الجوائز ليست محلية فقط، بل هي عربية بامتياز، وما نقوله عن بعض جوائز الدولة يتناسب أيضاً مع العديد من جوائز الإبداع في العالم العربي والتي تكاثرت كالفطر، وفقدت معانيها تباعاً بالنظر لسوء إدارتها.
أسماء الزرعوني