منحت الجامعة الأميركية في بيروت شهادة الدكتوراه الفخرية لثلاثة أفراد متميزين، هم: الشاعر أدونيس، المخرج السينمائي المصري يوسف شاهين ومؤرخ الشرق الأوسط أندريه ريمون، وذلك في احتفال في قاعة الأسمبلي هول، قبل ساعات من احتفال التخرج الثامن والثلاثين بعد المئة، في حضور الرئيس حسين الحسيني، النائب عضو مجلس الأمناء الفخري غسان تويني، الدكتور جورج ديماسي ممثلا المطران الياس عودة والسيد محمد حسن الأمين. حضر أيضا رئيس الجامعة الدكتور جون واتربوري ونوابه وشخصيات أكاديمية ودبلوماسية.
وقال جون واتربوري عن الشاعر أدونيس: «صبي سوري صغير في الخامسة عشرة من العمر في قرية قصابين اتخذ لنفسه هذا الاسم الفني. حتى في حينها كان شاعرا واعدا، لكن كتاباته الأولى، باسمه الحقيقي علي أحمد سعيد، رفضت. فاتخذ لنفسه اسم أدونيس، تذكيرا جماليا مغامرا بالحضارات العديدة التي جعلت شرقي المتوسط ما هو عليه اليوم. استمر الاسم، واستمر الرجل. نزعته العملية دفعته إلى دراسة القانون والفلسفة في جامعة دمشق. نشاطه السياسي اضطره إلى مغادرة سوريا في العام 1956 واللجوء إلى لبنان حيث أصبح مواطنا لبنانيا. وفي لبنان انطلقت مسيرته كشاعر معروف. وقد نضج شعره الجديد في السبعينيات. وقد حاول بنجاح أن يجعلنا نرى ونسمع بعيون وآذان جديدة. وقورن تأثيره على الشعر العربي بتأثير تي اس اليوت على الشعر الانجليزي، فهو فوق الواقع، متشعب، غامض أحيانا.
ورد الشاعر أدونيس قائلا: «أجد في هذه التحية التي أتلقاها من الجامعة الأميركية في بيروت رمزا مزدوج الدلالة. فهي أولا احتفاء بالشعر العربي، لا بشخصي وحده. وهي ثانيا احتفاء بالبيئة الثقافية الإنسانية التي خلقتها هذه الجامعة، وفاء لتطلعات الأجيال التي نشأت، بانية بذلك صرحا للمعرفة خارج ساحات الصراع السياسي وتياراته المباشرة، دون أن تكون مقفلة على التطلعات الإنسانية والقومية الكبرى. إنها تحية تصلني بأشخاص أضاءوا هذه الجامعة، تعلمت الكثير منهم ومن أمثولات تاريخهم... وفي ذلك ما يعني الانتماء إلى إنسانية المعرفة ورسالة الثقافة الجامعة والتوجه إلى المستقبل».
ووجه تحية خاصة لبيروت، «المدينة التي احتضنت صروحا إبداعية أولى شاركت في التأسيس لحضارة الكون. وهي في ذلك جديرة، تجربة وتاريخا، بأن تعلمنا جميعا كيف نزداد حبا بلبنان وثقة بمصيره، وكيف نعمل لكي نجعل فضاءه أكثر إخاء وأكثر إشعاعا وبهاء». ثم تكلم الدكتور واتربوري عن يوسف شاهين، فقال: «ولد في العام 1926 في الإسكندرية لوالد لبناني ووالدة يونانية. كانت الإسكندرية محركا ثقافيا لكل الشرق الأوسط. كافح والداه ماليا، وفي صغره، مات أخوه الأكبر من داء ذات الرئة.
رغم كل شيء تمكن والداه من إرساله إلى معهد فيكتوريا النخبوي في الإسكندرية. وفي السابعة عشرة من العمر كان قد رسم اتجاهه إلى المسرح. لم يوافق والداه وسجلاه في كلية الهندسة في جامعة الإسكندرية وهناك قدم عملا مسرحيا غنائيا كان نجاحا شخصيا له وأقنع والده بتركه يرحل إلى كاليفورنيا. لسنتين، درس يوسف شاهين في مسرح باسادينا بنية التخصص بالتمثيل.
لكن بعد عودته إلى مصر بات مقتنعا أنه لا يملك المظهر الذي يتطلبه التمثيل. وهكذا اتجه إلى الإخراج. في السنوات الست والخمسين التالية أخرج يوسف شاهين أربعين فيلما تقريبا وستة أشرطة وثائقية. ولقد تشرب التقاليد السينمائية وأعاد صياغتها بشكل انتقائي شمل الدراما والتاريخ والعذاب البشري والاحترام الشديد للفقراء والمظلومين، وبالدرجة ذاتها أحب الموسيقى والأفلام الموسيقية.
وعن المكرم الثالث البروفسور أندريه ريمون، قال الدكتور واتربوري: «خبر الحرب العالمية الثانية وحارب الاحتلال الألماني مع المقاومة الفرنسية. وبسبب المحرقة كان يشعر بالتعاطف الغريزي مع فكرة تجميع اليهود في فلسطين ولكنه، كعضو في الحزب الشيوعي الفرنسي كان يمقت المغامرات الفرنسية الاستعمارية في شمال أفريقيا والهند الصينية.
في مقابلة معه قبل بضع سنوات، استذكر ريمون كيف أنه ارتبط فورا بالحزب الشيوعي التونسي وقال أيضا: «كانت السينما شغفا كبيرا لي وبقيت كذلك حتى اضطررت لاستبدالها بشغفي بالتاريخ. كنت قد ابتعت آلة تصوير سينمائية بسعر باهظ في تلك الأيام وأنتجت فيلما مناهضا للاستعمار في تونس. لو لم أكن شيوعيا في تونس لكنت صورت أمورا شديدة الأهمية مثل الحركة الوطنية في بداياتها. ولكني وبما إنني كنت شيوعيا صورت مؤتمر الحزب الشيوعي والمظاهرات الشيوعية التي لم تكن ذات نفع أو مستقبل. الحقيقة التونسية كانت في مكان آخر».

