سيبقى لفن القصة حيزه الدائم والأرقى في الحديث عن أي نوع من أنواع الكتابة، لأن الحكاية تدخل في كل الأجناس الأدبية، بدءاً من الأساطير والملاحم، مروراً بالشعر الجاهلي، والقص في القرآن الكريم، والمقامات والرسائل وأدب الرحلات، والرواية والمسرح.. وانتهاء بالأغاني.

ويبدو أن الرحابنة في كتابتهم لأغانيهم، أو في اختيارهم لأشعارهم المغناة يعتمدون بشكل عام على فن القصة، أو على أن يكون في الأغنية حكاية ما، والجميل في هذه الحكايات أننا لا نحفظها، ونتحول كلنا أمام أغاني فيروز إلى أطفال نستمتع بحكايا الجدات كلما سمعناها ولو للمرة الألف.. والأجمل أن هذه الحكايات لا تتشابه، ولا تتكرر لا شكلا ولا مضموناً، وحتى في طريقة السرد واستخدام ضمائر الروي، والمونولوجات الداخلية والبوح والحوارات، وغيرها، ثمة تجديد دائم ولغة راقية رغم عاميتها..

ولو حاولنا إعادة هذه القصص إلى اللغة الفصيحة سنجد إنها قريبة جداً منها، وفيها بناء متكامل ومتماسك ومتنوع.. ولو قرأنا كلمات أغنية «أنا وسهراني» على سبيل المثال لا الحصر، لوجدنا فيها قصة قصيرة محبوكة السبك، قريبة من دواخلنا برومانسيتها، وتتجاوز واقعنا بحداثتها. «أنا وسهراني... وحدي بالبيت على السكيت ومتل الضجراني، مشية قريبة طقت على الدرب... قلت يا قلب جايي حبيبي.. قمت وضويت، زحت البرداية تاشوف الجايي، وشعشعت البيت.. رتبت المزهرية هيأت قلوب السكر، حطيت الشال عليي ولبست العقد الأحمر.. ونطرت الباب... تالباب يدق... والقلب يدق.. وما دق الباب. والمشيي بعدت... بعدت في الليل... محاها الليل...بعدت وبعدت... وأنا سهراني... وطفيت الضو...وطلع الضو وأنا وسهراني».

الجميل في أغاني الرحابنة أنها تحكي عن اليومي المألوف لدرجة النسيان بلغة ساحرة تعيدنا للنظر إليه أو تذكره من جديد، وغير المألوف بسلاسة طازجة تقربنا منه بدراية فطرية.. وتحكي عن قصص الحب البسيطة بعمق أخاذ، وبرومانسية وجرأة في آن.. ومع تنوع الحياة تتوزع الأغاني بين الطبيعة بمناظرها وبحرها ونهرها وقمرها وفصولها.. والناس في الريف والمدينة بهمومهم الصغيرة جداً والكبيرة، وبشاعتهم ولطافتهم ومرهم وحلوهم، وغياباتهم وافتقاداتهم.

وربما كانت قصة شادي من الأغاني التي لها طابعها المأساوي أو الحزين، على الرغم من محاولة الرحابنة إسباغ حالة الموت بعبارات رقيقة غير مباشرة، لكن يبدو أنها أضفت عند البعض حزناً أكبر، ووقعاً أشد.. ولو قرأنا هذه بعاميتها لما وجدنا صعوبة في ذلك، وربما الكلمة الوحيد الغريبة هي جمع كلمة دنيا في «دني» ويوم من الأيام ولعت الدني، ناس ضد ناس علقوا بهالدني، وصار القتال يقرب عالتلال، والدني دني، وعلقت على أطراف الوادي، شادي ركض يتفرج، خفت وصرت اندهله، وينك رايح يا شادي، اندهله ما يسمعني، ويبعد يبعد بالوادي، ومن يومتها ما عدت شفته، ضاع شادي، والثلج اجه وراح الثلج، عشرين مره اجه وراح الثلج، وانا صرت اكبر وشادي بعده صغير، عم يلعب عا التلج.

واللافت في كل هذا أن الرحابنة لم يتحدثوا يوماً ما عن فن القصة، فهل هم قصاصون بالفطرة، أم القصة فعلاً مبثوثة خلسة أو عنوة أو تختال واضحة في كل الأجناس الأدبية، فحين تتحدث عن حبكة ما، أكانت في النص المسرحي أم الروائي، نتساءل: أين الحكاية؟ وحين نبحث في الشعر عما هو أكثر تكثيفاً وإيحاء ودلالة من الحبكة بما يسمى بـ «الرؤيا» ألا نتلمس طريقاً ما عبر الحكاية كي نترجم دهشتنا أو أسئلتنا؟

abuhamed@albayan.ae