في الندوة التي عقدتها مكتبة مبارك العامة بالقاهرة لمناقشة كتاب د. علي فهمي خشيم رئيس مجمع اللغة بالجماهيرية الليبية «البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة» الصادر عن مركز الحضارة العربية، والذي يعد أحدث أعمال المؤلف. أكد الناشر علي عبد الحميد أن تاريخ هذا الكاتب حافل بالنضال في مجالات متعددة في العمل السياسي والفكري والإبداعي.
وأن أعماله الفكرية تمثل وجهة نظر واضحة وجهداً علمياً متناسقاً بدأ من عام 1985 مع كتابه «بحثا عن فرعون العربي» ورحلة الكلمات مقارنة بين العربية والأوروبية، وآلهة مصر العربية، وهل في القرآن أعجمي، وهؤلاء الأباطرة وألقابهم العربية، وغيرها الكثير من الكتب وصولاً إلى كتابه الأخير الذي نحن بصدده، وهو البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة، والذي ظل مؤلفنا عاكفا على استكماله في صبر وأدب طوال 15 عاماً ليخرج إلى النور ويثير جدلاً كبيراً بين مؤيدين ومعارضين لما احتواه الكتاب، ولكن الواقع المعاش أثبت صدق مقولاته وتحققها فهذه الأمة العربية واحدة من محيطها إلى خليجها.
وأشار اللواء صالح الدروفي سفير الجماهيرية الليبية في مصر إلى أن ما اتسم به إنتاج د. خشيم الغزير من عقلانية واهتمامه برصد القضايا في المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها، دفع البعض إلى اتهامه بالشيفونية والتعصب القومي نتيجة محاولته إثبات أن كل شيء في هذه المنطقة ذو أصل عربي، مؤكداً أن كتابة البرهان يعد إسهاماً علمياً جديداً قد يحس فيه الجدل الذي تشهده الساحة المصرية في العصر الحديث حول هوية المجتمع المصري، هي ينتمي إلى العرب أم إلى أبناء البحر المتوسط، أم إلى أحفاد الفراعنة !..
ويقول د. علي فهمي خشيم إنه عمد في كتابه الجديد البحث عن الجذور المشتركة ما بين اللغات العربية القديمة واللغة العربية العدنانية ليبين الصلات الوثيقة فيما بينهما، وأن هذه اللغة هي التي وحدت الأقطار العربية، فاللغة في اعتقاده السبيل الأمثل لمعرفة التاريخ الحقيقي للمنطقة العربية والعلاقات التي سادت ما بين الشعوب المختلفة، وهو ما اهتم به في هذه الدراسة من الكشف عن العلاقات التاريخية والثقافية والعلمية والأدبية ما بين وادي النيل والرافدين، والعلاقة ما بين وادي النيل والصحراوين العربية والغربية التي تمتد إلى الصحراء الكبرى، وبيان الصلات والعلاقات الوثيقة ما بين الشعبيين الليبي والمصري.
ويؤكد د. خشيم أن التاريخ والجيولوجيا تثبتان أن مصر الدلتا لم تكن موجودة أصلاً، وإنما نشأت نتيجة تجمع الطمي الذي كان يأتي من النيل، وأن الذي كان موجوداً هو ما يسمى الآن بصعيد مصر، وأن هذه الدلتا قد ظلت تتكون حتى عصر هيرودوت فأصبح هناك سبعة وعشرون فرعاً للنيل بينما الآن لا يوجد سوى فرعين هما دمياط ورشيد، وأن هذه التغيرات قد تبعتها تغيرات في الصحراوين العربية والكبرى والتي دفعت العديد من الأقوام إلى البحرة منها، فبعضهم اتجه إلى الشمال حيث ماء دجلة والفرات أو إلى الجنوب في اليمن ومصر، بينما اتجه أهل الصحراء الكبرى إلى خليج غانا ووادي النيل حيث أصبحت مصر بمثابة البوتقة التي انصهرت داخلها الأقوام المهاجرة. وقد كشف د. خشم في كتابه عن عروبة اللغة المصرية القديمة عن عدة أمور:
أولاً أن كلمة عرب لم تكن مستعملة قبل ظهور الإسلام بدليل إنه لم يرد في الشعر الجاهلي كله بيت واحد فيه كلمة عرب، مفضلاً استخدام كلمة العروبية أو العروبيين التي تضم الأقوام القديمة من الأكاديين والآشوريين والبابليين والكنعانيين والسبئيين والحميريين والمصريين والليبيين الخ.
ويؤكد د. خشيم إنه لم يستطع إخفاء دهشته الكبيرة من آلاف الكلمات المصرية القديمة التي يمكن مقابلتها بالعربية. ويضرب المثل بأن كلمة (فرعون) التي يكنز حولها الجدل وتعني البيت العالي كرمز للملك المصري القديم، مبدياً دهشته في أن اللغة المصرية القديمة لا توجد فيها كلمات الملك والدين رغم أن حضارتهم كلها قامت على الأعداد للحياة الأخروية بعد البعث والخلود وكان الملك فيها هو مركز الكون. ودعا د. خشيم في ختام إلى إعادة قراءة وكتابة التاريخ من جديد والعمل على تنقيته من المغالطات اللغوية والتاريخية التي وضعها علماء الغرب عن عمد.
وأضاف: إننا نبتلع أكاذيب الغرب ونروجها ما بين الأجيال الجديدة حتى تصدقها، وأنه لا يؤمن بمصطلح الشرق الأوسط وأن ما يعرفه هو الشرق الأدنى والأقصى والوطن العربي، وأن سعي الغرب لترويج هذا المصطلح يأتي من رفضهم إطلاق مصطلح الوطن العربي أو الأمة العربية التي يعمدوا إلى تمزيقها وتقسيمها الآن وهي نقطة غاية الخطورة والأهمية وإنه ينبغي لنا الحذر والانتباه في أن العلم حالياً يتم تسخيره في خدمة الأغراض السياسية.
وحذر في استهداف مصر من قبل الصهيونية وأن المعركة ليست فقط في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وإنما في الثقافة والفن بدليل هذا الهبوط المريع الذي يعاني منه من مصر بعد عصر عمالقة الفن أم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي إلخ، والاتجاه الحالي نحو الإسفاف والكلمة الهابطة ولغة الجسد، كما يحذر من استهداف اللغة العربية من قبل أهلها بعد أن اتجهت المحطات المحلية والفضائية في شتى الدول العربية إلى استخدام اللهجة الدارجة على اعتبار أن اللغة العامية هي المعبر الحقيقي عن الشعب والحياة العامة.
وأشار إلى أن هناك من يدعو الآن في مصر إلى استخدام هذه اللهجة في المجالات العلمية والدراسات الأدبية وحتى في اللغة العربية الفصحى مما يمثل تهديداً على لغتنا العربية وهي أقدم لغة على امتداد الوطن العربي الكبير.
القاهرة ـ نهال قاسم:
