تقيم الفنانة سامية جابر معرضاً بانوراميا في نادي سيدات دبي، يضم مجموعة من أعمالها المتنوعة، قاسمها المشترك العودة للجذور، أكان عبر الرسم بالألوان الزيتية أو المائية أو الإكرليك، أو عبر التصوير الفوتوغرافي والفيدو آرت.. وإن كان الوهج البانورامي قد شتت التركيز في بعض الأعمال ومنح الأخرى سطوعاً مغايراً، إلا أن هم الفنانة بالعودة إلى جذورها الفلسطينية يمنح هذا المعرض أبعاداً جديدة تعيد للذهن من بيادر الغياب مقولة أن الإنسان قضية.

تحاول جابر عبر اللوحات الزيتية تدوين عادات في طريقها للانقراض أو طقوس صارت في الماضي كالتطريز على ضوء القنديل أو العجن قرب التنور، أو تستحضر من خيالها صورة أحد أجدادنا بلباسه الشعبي وتقاطيعه البسيطة يتكئ على حائط قديم وبيده سلته العتيقة، وعبر اللوحات المائية تدون لذاكرة المكان ظلال بيوت وشوارع عتيقة وقباب وأسوار صارت قيد التراث أو الهدم، بيوت تسبغ عليها رهافة المائي معاني طازجة للحنين.

وبين الزيتي والمائي ثمة طفل يسقي جذور شجرة من بين الأسلاك الشائكة وثمة قنديل في صدر أم يشع بوهج الانتفاضة فيذهب الحاضر على الماضي ويركض الماضي على المستقبل، تلتقي المشاعر المتناقضة في صخب لوني تموج به سماكات الإكرليك بتجريد قلق، لكنه يعود إلى الجذور عبر تدرج للقتامة من الأرض نحو السماء.

التصوير الفوتوغرافي الوجه الآخر للفنانة عبر انعكاساته على مرايا الظلمة والضوء وتشظي الصور بتردد شبحي يمنح لهذا الجهد أبعادا تتجاوز تقنية البرامج الكمبيوترية المتعدية على الموهبة، ولهاتيك الملامح تشويشها المتشابك مع أسئلة الوجود وهواجس الهوية، وفي المقابل ثمة صور لوجوه تنضح نضارة وبراءة ترتدي الزي الفلسطيني المتعب من تغيبه على حبال غسيلنا ورفرفته في المعارض الإسرائيلية العالمية، ويبدو لذلك توجت الجابر هذه الهواجس بعروض لأزياء فلسطينية من رام الله والخليل وغزة، عبر الفيديو آرت، لتتماوج الأثواب المشغولة يدوياً وخاصرات الفتيات في عرس وهمي مع تداعيات صوت متفائل لمغنية من فلسطين.

من أعياد الميلاد بدأت سامية جابر تتلمس موهبتها، وحين حاولت بلورتها برقة مفرطة انضمت إلى نادي الياباني العالمي لتنسيق الزهور، ولأن الأوقات الممنوحة لباقة ورد تهدرها بلحظة طقوس الرطوبة وسماجة الحر، قررت سامية تدوين باقاتها على صفحاتها البيضاء؛ أدهشتها لوحة للفنان وجيه نحلة، وكانت الدهشة الأكبر سعرها الخيالي، أحبت سحر نحلة، وبدأت مشوارها مع ألوانه المضيئة.

سامية جابر من مواليد بير زيت في فلسطين، سعت وراء بلورة موهبتها بجهد لافت، إذ تعلمت الرسم عند أساتذة خاصين في الإمارات، وحين وجدت فرصتها للدراسة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بالشارقة، كانت أماً لثلاثة أولاد، ولم يمنعها ذلك من مواصلة المشوار، شاركت في معارض الكلية.

وأقامت معارض فردية، منها معرض في مدينة دبي للإعلام، وعما يخص معرضها الحالي تقول جابر إننا بحاجة للنظر إلى الماضي وتدوينه في ظل هذا العصر المتطور بجنون، الكثير من الأشياء تتلاشى، عاداتنا، تقاليدنا، أزياؤنا، كلماتنا وحتى سلوكنا. والمعرض محاولة للعودة للجذور ولكن بأدوات عصرية.

دبي ـ محمود أبوحامد