أفتش في عينيك عن الحنان فتصدني نظارة الشمس..جاء الصيف قاسيا كالعادة، وجاءت معه سخونة الظهيرة التي تكوي الذكريات وتجعلها مطلية بالطل فلا أكاد أميّز بين اسمك المنحوت على رمل المصير وبين اسمك الحقيقي الذي أناديه من بعيد وأراه منعكسا في المرايا وفي السراب الذي يشدني كي أعبر مسافة الخوف وان أصل حافيا قافزا إلى القدر النعيم.

في الليالي الحارة، تهل نجمة الصيف في سمائنا المفتوحة فتضييء مساحات الحلم. ويخرج العشاق من شرفاتهم كي يغسلوا صور حبيباتهم بالنور البعيد.. ثم يشرق القمر ناصعا فتبتسم الدنيا وأرى وجهك فيها مثل شعاع يغطي الأرض بالحنان الأبدي ويغلف هالتي بالبياض..انه الصيف يختال في المساء ويهبط حنونا دافئا ليروي كلمات الشوق ويقيمها من قواميس الانتظار.

في الصيف نعود إلى البحر بعد أن هجرناه وحيدا طيلة الشتاء. الموجة المنسابة من حدود الأرض تتكسر تحت أقدامي وأنا اعبر شاطئ القدر محدقا في مراكب الرحيل وهي تغادر في الاتجاهات الحرة والنوارس تتبعها بلا عودة. هنا على البحر انتظرت مرورك عطشانا يا عذوبة القلب، يا طعم السكر رغم ملوحة الأيام. هنا على البحر كان المدى يتلون بين الأصفر والأبيض والأحمر ويرسم ملامح من وجهك الذي كلما رسمته على الرمل غطّاه الزبد كي لا تغار الشمس.

وفي الصيف تثمر نخلة الطفولة رطباً وسكراً.

وفي الصيف تتفتح الزهور البرية وتبعث بنسيمها الفواح بين الواحات فتستيقظ الفراشة في القصيدة، وينساب غدير من الألوان بين الحقول كي تكتمل لوحة الطبيعة، ومن بين أعالي الشجر يغرد طائر الشجن البهي لحناً يظل يتفتح في فم الصباح عازفاً موسيقى الكون .

حيث تختال الغزالة في المنحدر ويصفق العصفور فوق الجداول وترقص القطعان الجبلية على إيقاع صامت. الصحراء مخبأ الصيف ووكره. فيها يكتمل معنى الهجير وينقص معنى الهجر. كل يوم، عندما تلفح الريح ظهر التلال وتلونها بالأسمر الذهبي..عندما تتوسط الشمس كبد السماء وأتوسط أنا البدوي كبد الأرض ويكون الفلا معبرا نحو السراب الأبدي اللذيذ.

يتوضأ العاشق بالنسمة الصيفية ويبدأ بالغناء

الشمس مرآة العابرين تحت قوس الصبر

القمر صفحة بيضاء لذكريات الغد

خذي قلبي خيمة في الصحراء

خذي كفي سفينة واعبري بحر المتاهة

الصيف نافذة للتجدد

الصيف باب يفضي إلى ألف باب.

akhozam@yahoo.com