تضمن نعي الشاعرة نازك الملائكة تصريحها بطريقة كتابتها قصيدة (الكوليرا). قالت نازك إنها كتبت هذه القصيدة محاكاة لوقع حوافر الخيول التي كانت تجرّ عربات نقل الموتى من ضحايا وباء الكوليرا في ريف مصر. وإنها على ذلك الوقع اكتشفت إيقاعاً حراً ينتظم بناء البيت الشعري الكلاسيكي المقفى، ويوزع تفعيلاته توزيعاً مدوراً غير متساو على الأشطر والمقاطع حسبما تشعر النفس الشاعرة بانطلاق المعاني، وأينما يحلو لها أن تقف في نهاية متوالية من القوافي.

بُنيت (الكوليرا) في نظام رباعي المقاطع، تتكرر مفردة (الموت) خمس مرات في كل مقطع بتتابع ثلاثي «الموت الموت الموت» محفوف بمفردتين سابقة ولاحقة. ويتصاعد لحن الموت تدريجياً مع تسارع وقع حوافر الخيول فيتفرع من المفردة الواحدة عدد أكبر من مفردات اللحن الحزين «عشرة أموات، عشرونا» ثم يضيع العدد مع تقدم الشاعرة في ركب الباكين ويعييها الإحصاء فتنفض يديها من عد الموتى «موتى، موتى، ضاع العدد» «موتى، موتى، لم يبق غد». وتبلغ الشاعرة قمة التعبير الحر عن أحزانها عندما يجدل الإيقاع المتفرع للقصيدة حزنها الفردي بمصير الموتى الجماعي، ثم يخفت اللحن في سكون الليل، وتعود النفس إلى انفرادها مع هواجسها المتجذرة بالألم.

أرخت قصيدة (الكوليرا) المكتوبة عام 1947 زمناً جديداً للشعر، أوحت قصائده بقلق الوجود، وتشظّي الأنا، وجدل الشعر والموت بحبل الزمن المعقود حول عنق الشاعر. وتدل قصائد نازك على بداية شعور حاد بانقسام (أنا) الشاعر ووضياعها في (لابرنث) العبث والاغتراب، وتغنيها بألم الإنسان الأعزل بمواجهة عالم ينتهك خصوصياته وأحلامه. وتفصح قصيدتها (أنا) المكتوبة عام 1948 عن تشظّي نفسها، وتعريفها بمفردات الذات المتمردة:

الليل: أنا سرّه القلق العميق الأسودُ، صمته المتفردُ

الريح: أنا روحها الحيرى

الدهر: أنا مثله جبارة أطوي عصور

الذات: أنا مثلها حيرى أحدق في ظلام.

لا نملك وثيقة بيوغرافية تؤرخ إشراقة النفس الملائكية التي حولت مجرى الشعر نحو (يوتوبيا) ضائعة في الجبال، لكن بزوغ شعرها الوجداني يشع بلحظات واهنات مؤرخات بقصة حب موؤود بقسوة، أو صدمة واقع زاخر بصور الموت والظلم الاجتماعي والاضطهاد السياسي، أو ارتداد عنيف عن موروث جامد وزمن راكد، أو رحلة انبهار بطبيعة الذرى الثلجية في شمال العراق.

عبرت نازك عن لحظة الإشراق اليوتوبية في قصيدتين من ديوان (شظايا ورماد) ولدتا من رحلة لها مع أختها في جبال كردستان، حين سقطت أشعة الجبال على وجهيهما فأحستا بتفجر الضوء والألوان واللحون فوق (قبور البشر) و(جبين القدر) وانبثاق النشيد الحزين من (ستر العدم).

جرّب الشاعر الهندي رابندرانات طاغور مثل هذا الشعور حين سقطت أشعة الشمس المتسللة من أغصان شجرة على وجهه في فجر أحد الأيام، وفي حين أن إشراق طاغور ظل أزلياً في شعوره، فإن إشراق نازك سرعان ما تلاشى في لحظة ثم مضى «في سكون»، وابتدأ قلقها يشق لها مسيراً متردداً على طريقين متعاكستين: طريق (الرواح) وطريق (الإياب). نقف على هذا الجدل الدائب في نفس الشاعرة ونحن نقرأ (حوارية) شاءت أن تفتتح بها ديوان (قرارة الموجة)، ونتحسس انطفاء تجربة الإشراق لديها، بأكثر مما نتحسس بقاء مثيلتها المسجلة في مذكرات صنوها الشاعر الهندي.

تواجه نازك مرآة نفسها بعد عشرة أعوام من نشر بواكير شعرها، فترى فيها ظلين لشاعرتين تتحاوران وتتنازعان ثم تفترقان، فترتد الأولى إلى قوقعة نفسها، وتمضي الثانية للقاء نفسها الجديدة. ترى نازك أن في أعماق كل شخص شخصاً ثانياً «بارداً، هازئاً، بلا مشاعر» يقرّع الشخص الأول ويتهمه بعدم الوصول إلى مكان، والمكوث بلا حركة.

قد يجيء الشاعر المنتظر في قمة الموجة، لكن تحول وجهه إلى «صنم جامد» في الظلام سيلقي بالنفس الأولى إلى المنحدر، لذا فهي تؤثر أن تستبقي على عينيها غشاوة تحجب عنها كل شيء، وتكره أن ترتقي القمة كي لا يلوح لها المنحدر، وترفض أن تصل إلى نهاية الطريق لئلا تضطر إلى الرجوع. وبدلاً من مواجهة المرآة تحطم النفس الأولى المرآة لكي تبقى ذاتها نقية لا تلمس، فضلاً عن أنها تخشى لعنة الزمن. تستنكر النفس الأولى افتراءات النفس الثانية، وتزعم أن وجهها سينعكس على كل شظية من شظايا المرآة المحطمة، على الحال التي تتشظى فيها نفسها في كل شطر من أشطر قصائدها.

نقرأ محاورة النفس التي عمرت ثمانين حجة على طريقي (الرواح) و(الرجوع) ونعجب لقدرة الشاعرة على احتمال شظايا هذه النفس التي اعترفت لها في يوم من أيام عام 1948 بهذه الأشطر من قصيدة (ذكريات):

لم أكن أحلم لكن كان في عيني شيءُ

لم أكن أبسم لكن كان في روحي ضوءُ

لم أكن أبكي ولكن كان في نفسي نوءُ

لولا هذا الحوار الداخلي الغني بدلالاته، المتفق مع نوازع شخصية الشاعرة المتناقضة، لما بقيت لنا صورة ذلك التأمل العميق البادي في تخطيط وجه الشاعرة المسنود إلى كفها، كي نقارنه بتخطيط مماثل لوجه جبران خليل جبران المطرق نحو حقيقة الاتحاد بين الشعر والموت. بقي في عيني الشاعرة المطرقتين (شيء) من كبرياء والتماع لا يخبو، وخيط مشدود إلى شعلة الموت الزرقاء، قلما لمحناه في عيون شعراء أواسط القرن العشرين الذين بلغت بهم موجة الحداثة الشعرية قمةً بعيدة القرار.

mkhudayyir@yahoo.com