احتفالاً بمرور 80 عاماً على ميلاد الكاتب الكبير يوسف إدريس عقد بمكتبة القاهرة الكبرى ندوة بعنوان »قراءات في أدب يوسف إدريس«.
حيث أكد د. محمد حمدي مدير مكتبة القاهرة الكبرى أن يوسف إدريس له مكانة خاصة في الأدب العربي، وخاصة في مجال القصص القصيرة، وأنه كان أحد المرشحين للحصول على جائزة نوبل عام 1988، ولكن نجيب محفوظ حصل عليها، مشيراً إلى أنه بما تركه من إبداعات أدبية يمكن القول أنه كان الأولى بالحصول على هذه الجائزة.
وذكر أن إدريس من مواليد عام 1927 في البيروم »قرب دمياط«، وكان والده متخصصاً في استصلاح الأراضي، ولذا كان متأثراً بكثرة تنقل والده، وعاش بعيداً عن المدينة، وقد أرسل يوسف ليعيش مع جدته في القرية، ولم يذكر إدريس من هذه السنوات إلا الإحساس بالغربة، وافتقاره للحب، وكانت جدته حادة المشاعر لا تحب إظهار عواطفها، وكيف أن انتقاله للعيش مع جدته أفقده أباه، الذي كان يحبه، لأنه رآه لا حيلة له أمام والدته التي كانت مثل والدتها حادة، لا تعرف الهوادة.
وأشار إلى أن إدريس ذكر في بعض أعماله أنه راح يبحث عن الحب والحنان باستماتة، لأن أمه لم تشعره إلا بالقلق وعدم الأمان وقلة الثقة، وأنه كان يعيش في عالم مع أحلام اليقظة، ففي سيره علي قدميه لمسافات طويلة ذهاباً وعودة من المدرسة، خلق لنفسه عالماً يستطيع فيه تحقيق ما يحتاج إليه من الحب والدفء والازدهار الدائم، وراح يروي لنفسه حكايات لطيفة يعيشها في خياله، وخلق لنفسه قصائد صباه، وهو في العاشرة.
خاصة وأنه كان طفلاً صبياً خجولاً، لا أصدقاء له فقد وضع كل همه وطاقته في دراسته فصار أول صفه، ولما نقل الوالد للقاهرة عاشت كل الأسرة معاً وكان يوسف مراهقاً، وفي تلك السنة اهتم بالمرأة لا كجنس آخر بل كظاهرة لا يستطيع فهمها.
وأوضح: أن إدريس هذا الأديب الكبير أثناء دراسته بكلية الطب عكف على الاشتراك في المظاهرات ضد المستعمر البريطاني، ونظام الملك فاروق، وفي 1951 صار السكرتير التنفيذي للجنة الدفاع عن الطلبة ثم سكرتيراً للجنة الطلبة، وبهذه الصفة نشر مجلات ثورية وسُجن وأبُعد عن الدراسة عدة أشهر، وكان أثناء دراسته للطب قد حاول كتابة قصته القصيرة الأولى، التي لاقت شهرة كبيرة بين زملائه، مشيراً إلى أنه منذ سنوات الدراسة الجامعية وهو يحاول نشر كتاباته.
حياة عائلية.
وأكد د. حمدي أنه في عام 1957 تزوج يوسف إدريس وكان متعطشاً إلى الحياة العائلية، ويخشى أن يحطمه وضعه الجديد ككاتب وأديب يعشق التنقل والترحال، ففي عام 1961 انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال، وحارب في معارك استقلالهم ستة أشهر، وأصيب بجرح وأهداه الجزائريون وساماً إعراباً عن تقديرهم لجهوده في سبيل استقلالهم وعاد إلى مصر، وقد صار صحافياً معترفاً به حيث نشر روايات، وقصصاً قصيرة، ومسرحيات، موضحاً أنه عقب عودته من الجزائر حصل علي وسام الجمهورية عام 1963، واعترف به ككاتب، بل أحد أهم كتاب عصره.
وقال د. حمدي: انشغل إدريس بالقضايا السياسية، وظل مثابراً على التعبير عن رأيه بصراحة، وفي عام 1972 اختفى من الساحة العامة على أثر تعليقات له علنية ضد الوضع السياسي في عصر السادات، ولم يعد للظهور إلا بعد حرب أكتوبر 1973 عندما أصبح من كتاب جريدة الأهرام.
فالحياة في نظر إدريس عملية تغيير، ولذا فهو يؤمن بأن الأفكار والفلسفات والقيم يجب أن تتغير باستمرار، وينادي يوسف أن للكتاب مهمة في المجتمع، فهو عامل الثورة في عالم دائم التغيير، ولكنه يعلم أن الكاتب يعيش ملء حياته بالكامل، كي يتسنى له أن ينجح، فكتاباته ليست شيئاً مخططاً من قبل، وهو يريد أن يكون حدسياً، وأن يعيش حالة الإنسان الطبيعية، بأن لديه فكرة عامة في ذهنه، ولكنه لا يعرف سلفاً كيف سيكون سلوك شخصياته ولا كيف ستنتهي قصته أو مسرحيته.
وأضاف: حاول يوسف إدريس بمسرحية »الفرافير« أن يحدث ثورة في الدراما المصرية، ولكنه لاقي اعتراضات كثيرة، فإدريس يدعو إلى التعبير عن الجوهر المصري، كما هو معبر عنه في التراث الشعبي، ويريد من المسرح الجديد أن يعبر عن الروح المصرية وأن تكون له هوية ونكهة مصرية خاصة به.
وخلص إلى أن إدريس عكف على استخدام اللغة ببراعة كبيرة، حيث اختار لغة المسرح وأرادها العامية الفنية، لأنها الغريبة إلى مقاصده الباطنة، ومن متفرجين علي السواء.
وأكد عبدالله نور أخصائي معلومات بمكتبة القاهرة الكبرى أن يوسف إدريس خلق القصة المصرية الحقيقية مضموناً وشكلاً، فالقصة عنده نابعة من الجذور القصصية للشعب المصري والعربي والإسلامي، موضحاً أنه استطاع تحويل مجرى القصة العربية كلياً ونشوء مدارس كثيرة تقلده وتجتهد في تقليداتها في كل أنحاء الوطن العربي.
وشدد على أن أثر إدريس علي صعيد المسرح كأثره على القصة العربية، حيث اكتشف الجذور الأصلية للمسرح المصري العربي، وطورها إلى الواقع المعاصر في صيغة درامية سماها »حالة التمسرح«، وليس غريباً بعد هذا أن يعتبره النقاد عربا أو أجانب بأنه أحسن كاتب عربي معاصر خدمة.
القاهرة ـ مشيرة عكاشة
